
لقد نشأ وضع جديد في الأيام الأخيرة بفعل العرض الروسي -الذي تبناه اوباما وكل حلفائنا الرئيسيين والصين، والذي قبلته سورية بشكل مبهم- والقاضي بأن تسلم سورية مخزونها من الغازات السامة للمراقبة الدولية. ودعونا لا تتملكنا الأوهام. فما يزال هناك احتمال حقيقي بأن يكون الروس والسوريون يماطلون وحسب، وأنهم سيخادعون في النهاية ويتلاعبون. وحتى لو كان أحدهما أو كلاهما جاداً، فثمة عوائق لوجستية وسياسية هائلة تعترض سبيل تأمين أسلحة سورية الكيميائية بشكل سريع وتام. وثمة جزء مني يتساءل: هل خطر على بال أحد أن يتأمل ذلك؟
لكن كلي يريد الإقرار بأنه إذا تم تنفيذ التسليم السوري للغازات السامة –وتظل “إذا” كبيرة- فسيكون ذلك نهاية جيدة لهذه الأزمة على المدى المنظور. وسيتم احترام التابو العالمي المفروض على استخدام الغازات السامة، كما أنه لن يدفع بأميركا نحو التورط في حرب في سورية.
في ذلك السياق، أعتقد بأن من الجدير بأوباما والكونغرس أن يهددا بإعادة برمجة التصويت على المصادقة على تهديد أوباما باستخدام القوة -إن لم يعمل الروس والسوريون بنية طيبة- ولكن دون أن يجدول ذلك التصويت في الوقت الراهن. (تلك كانت أساساً رسالة الرئيس في كلمته الأخيرة). ومن خلال “التهديد بالتهديد” يحتفظ أوباما بالضغط لجعل السوريين والروس مركزين على تنفيذ أي اتفاقية -لكن من دون اضطرار لاختبار رغبة الكونغرس الفعلية في تنفيذ ذلك التهديد. لأنه، لو فشل في المرور، فإنه لن يكون لدى الروس والسوريين أي محفز للتحرك.
إذا بدا كل هذا مضطربا ومربكاً على نحو غير معقول، فإنه كذلك. وبينما أسهم أوباما وفريقه في إثارة هذا الاضطراب من خلال الكثير جداً من الكلام الفضفاض، للإنصاف، فثمة أيضاً سبب بنيوي عميق له. إن أوباما يتعامل مع عالم عربي لم يترتب على أي رئيس حديث مواجهته. وحتى العام 2010، كان الشرق الأوسط العربي مستقراً نسبيا لمدة 35 عاماً. وقد فرض النظام فيه اجتماع الحرب الباردة مع ارتقاء الدكتاتوريين الممولين من النفط، والذين بنوا دولاً أمنية قوية، وكذلك السلام بين مصر وإسرائيل.
لكن التقاء انتفاضات المواطنين العرب في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وانعدام الوظائف والتدهور البيئي وندرة المياه وعوائد النفط الهابطة وثورة المعلومات، أسهمت كلها في تمزيق أنظمة كانت تبدو يوماً ما صلبة لا تلين -سورية ومصر وتونس والعراق وليبيا واليمن- وهو ما يجبرنا راهناً على مواجهة بعض الأسئلة الجديدة وغير المريحة بشكل كبير، وليس استخدام القوة وحسب.
أحدها هو هذا: هل تكون بعض الأشياء صحيحة، حتى لو صدقها جورج دبليو بوش؟ لا يريد أحد، صقراً كان أم حمائمياً، أن يرى قوات أميركية على الأرض في سورية تحت أي ظروف. ولك أن تحسبني في عدادهم. لكن المشكلة الوحيدة هي أنه من المستحيل تخيل حل للصراع في سورية من دون نوع من القوة الخارجية التي تضع أقدامها على الأرض. وعندما تصل إلى الدرجة أو الحالة والانهيار المجتمعي الذي يكون أمامك في مثل هذا المجتمع متعدد القبائل والطوائف كسورية، فليس هناك ثقة يمكنك معها حكم وتدوير السلطة؟ ولذلك ترى نفسك بحاجة إما إلى قابلة قانونية، أو إلى مانديلا، أو إلى عسكريين (كما في مصر) لإحالة الانتقال إلى نظام جديد. ونظراً لأن سورية لا تتوافر على مانديلا ولا على عسكريين ثقاة، فإنها ستكون في حاجة لقابلة قانونية خارجية. وأنا أفهم لماذا لا يوجد أي متطوعين، لكن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة سيترتب عليه في نهاية المطاف الاستجابة لهذا الواقع، وبغير ذلك ستتحول سورية إلى أفغانستان مطلة على البحر الأبيض المتوسط.
ثمة بعض الأسئلة غير المريحة التي نريد أن نطرحها على حلفائنا العرب. فخلال الحرب الباردة، جعلنا خوفنا من الشيوعية واعتمادنا على النفط مستعدين للاصطفاف مع أي طرف يقف معنا ضد السوفيات. لذلك لم نعبأ بسؤال حلفائنا العرب عن القيم التي كانوا يروجونها في أوطانهم؟
حسناً، فيما يلي سؤال نحتاج إلى مباشرة طرحه: تردد أن هناك آلافاً من الشباب العرب والمسلمين الذين قدموا من أماكن بعيدة، ببعد أستراليا للانضمام إلى المليشيات الجهادية في سورية، والتي تقاتل لإقامة دولة إسلامية سنية هناك. ولكن، كم من الشباب العربي والمسلم اندفع إلى سورية للقتال إلى جانب العناصر المحترمة من الجيش السوري الحر من أجل سورية متعددة الطوائف وتعددية وديمقراطية -أي سورية التي نأمل ونستشرف؟ إنني لم أقرأ عن أي منهم. هناك متعهدو تقديم الأسلحة، نعم، ولكن ليس أناساً يضعون حيواتهم الخاصة على المحك.
أشعر بالسرور لأن قادة الخليج العربي يدعموننا علانية -ومعظمهم معتدلون في السياق الشرق أوسطي- لكن الجميع يعرف أن المساجد والجمعيات الخيرية في تلك البلدان نفسها تمول الجهاديين. ولكن انتبهوا: مع ذهاب السوفيات وخطوط إمداد النفط، لن يقدم الأميركيون اليوم الدم والمال للدفاع عن شعوب وأماكن في العالم العربي، من الذين لا يشاركوننا قيمنا. كما أننا أيضاً لسنا مستعدين للتضحية من أجلهم. إننا لم نعد نستطيع فعل ذلك، ولا نحن نحتاج إلى فعله.
لذلك، انسبوا الفضل لآوباما لوقوفه وراء مبدأ مهم في منطقة تعصف بها الأنواء. ولكم أن تمنحوا الشعب الأميركي أيضاً بعض الفضل. فهم يقولون لقادتنا شيئاً مهماً: من الصعب الاستمرار في مواجهة هتلريي الشرق الأوسط بجسارة، عندما لا يكون هناك تشرتشيليون على الجانب الآخر.
النيويورك تايمزترجمة: عبد الرحمن الحسيني– الغد الاردنية .