الرئيسية الاخبار حالة غضب وانتقادات: المواطن في غزة لم يعد يمتلك سوى صرخته وأنينه

حالة غضب وانتقادات: المواطن في غزة لم يعد يمتلك سوى صرخته وأنينه

 

الايام -حامد جاد:لم يعد كسر حاجز الخوف بين المواطن في غزة وإدارة الأمر الواقع في غزة “حركة حماس” يشكل حالات فردية هنا وهناك، بل اصبح بعد أن طالت آلام الفقد كافة شرائح المجتمع حالة شبه جمعية عبر عنها البعض بانتقادات لاذعة لحكم “حماس” وآخرون ذهبوا لصب جام غضبهم بكيل وابل من الشتائم وعبارات السخرية تجاه كل ما يصدر عن الحركة ذاتها وقياداتها من تصريحات اعتبروها لا تراعي واقعهم المرير.

 

“حماس”: تمهلوا بالحكم علينا فالطوفان لم ينتهِ بعد
وقد أبدت قيادة الحركة ذاتها تفهماً لمشاعر الغضب تجاهها وبينت أنها تلتمس الأعذار لكل مواطن عبر عن رفضه لسياساتها.
وقال خليل الحية القيادي في حركة حماس والذي يشغل منصب نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس منذ اغتيال سلفه الشهيد صالح العاروري في سياق رده على سؤال خاص بـ”الأيام” خلال لقاء عقده في مقر إقامته في مصر الشهر الماضي، “انتقاد الناس لنا لا يغضبنا فنحن لم نستشرهم بل قدرنا الموقف وقمنا به، وحتى لو المواطن كال علي الشتائم والسباب فإنني سأحترمه، فهو لا يستطيع رؤية الموقف الاستراتيجي ولكنه سيقول لي شكراً بعد نهاية الموقف (الحرب). فأنا أقدر صبره وإذا انتقدني على راسي وإذا بده يسب أبوي يسب فأنا أتفهم صعوبة الأوضاع التي يعيشها”.
وبهدوء ملحوظ يواصل الحية رده على سؤال آخر لـ”الأيام”: هل لك أن تذكر لي إنجازا واحدا تحقق نتيجة السابع من أكتوبر؟ حيث أجاب، “من الظلم أن تحكم على الطوفان قبل أن ينتهي. فالطوفان لم ينتهِ بعد” مستكملاً إجابته بالإشارة إلى ما نالته القضية الفلسطينية من اهتمام دولي وعربي غير مسبوقين منذ اليوم الأول للطوفان.

 

مجتمع غزة تجاوز مخاوفه السابقة

وفي سياق لقاءات منفصلة أجرتها “الأيام”، يرى الدكتور فضل عاشور أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر: إن تعبير الناس عن غضبهم وعدم رضاهم لم يعد كالسابق مجرد تعبير عن الرأي مثل القبول أو الرفض، بل أصبح الأمر يتعلق بالبقاء وليس ترفاً فالناس تعبر عن غضبها وعدم قبولها دفاعاً عن بقائها بعد أن تم زج المجتمع في صراع لا يمكن الصمت معه.
واعتبر عاشور أن “الإحساس بغياب الجدوى من كل ما يحدث أمر يشعر به ويعبر عنه المواطنون في غزة منذ سنوات عبر نطاق ضيق حيث كان لديهم مخاوف من التعبير عن هذه الرغبة بشكل فاعل خشية تعرضهم لضغط اجتماعي وسياسي. فمجتمع غزة لم يكن أمام عنوان واضح المعالم ليضغطوا عليه، فمن كان يسيطر على غزة طوال هذه السنوات لم يكن عنوانا لسلطة ذات معالم ومؤسسات لها مقرات وهياكل وقيادات يمكن التظاهر ضدها بهدف الضغط، بل كان المواطنون أمام جسم خفي مكون أساسا بحسب وصفه من ميليشيات خفية ومراكز عمل في المساجد وغيرها كان يمكن أن تهاجم أي اعتراض بعنف دموي بلا ضوابط”.

 

تراجع قدرة “حماس” على قمع أصوات معارضيها

ويقول عاشور، “مع انفجار الوضع في غزة وزج مواطني القطاع في تحد وجودي من هذا النوع والمستوى تجاوزت نسبة كبيرة من مجتمع غزة مخاوفها السابقة من هذه العناوين والقوى الخفية، خاصة في ظل أنه لم يعد لدى (حماس) القدرة على قمع وكبح الأصوات المعارضة والمعادية لها وذلك بالرغم من استمرارها قدر ما تستطيع في مهاجمة وتهديد بل والاعتداء على الأصوات المعروفة سابقا والعلنية التي يخشى أن تشكل حالة استقطاب تهدد وجودها، وبالتالي مع هذا الواقع انحسرت قدرة (حماس) في مراقبة وقمع مجتمع غاضب جدا يصرخ تعبيرا عن رفضه لعملية إبادته ما وسع الجرأة وإعلاء الصوت ضدها بشكل لم يكن قائما في السابق”.
وأضاف، “أمام هذا الغضب وانهيار المعنويات والتحدي الوجودي العميق الذي يعاني منه الجميع حتى من مقربين ومؤيدين لحركة حماس التي انخفضت قدرتها واستعدادها لقمع أصوات الناس الغاضبة، خاصة أن البعض من أنصارها باتوا يشعرون بنفس مشاعر غضب الآخرين ويشاركونهم في جزء من الآراء التي يطرحونها”.
ونوه عاشور في ختام حديثه إلى محاولات الاعتراض على نهج “حماس” التي قادها عدد من النشطاء خلال بدايات حكمها وما تعرضت له هذه المحاولات من قمع بطريقة وحشية، فكان الحلم لدى الشباب في التغيير موصدا أمامهم ورافق ذلك هجرة أعداد كبيرة من الشباب لكن الآن لم يعد أمام الناس والشباب أي طريق على ما يبدو سوى أن يصرخوا ويعبروا عن غضبهم ورفضهم.

 

المواطن لم يعد يمتلك سوى صرخته وأنينه

أما المواطن يامن زقوت (45 عاماً) الذي لم يتحفظ عن ذكر اسمه وله منشورات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي لم تخل واحد من انتقاده لحركة حماس فقال، “لم يعد المواطن الغزي يمتلك في هذا الكون سوى صرخته وأنينه بعد أن اختفى من قاموس الكثيرين منهم معنى الخوف أو الرضوخ. فما مر به ولا يزال من إبادة ومقتلة ونزوح ودمار وقهر واستغلال ومساس بآدميته وإنسانيته وسط فقد الأحبة أو إصابتهم أو خسارة الممتلكات أو كل ذلك معاً في ظل طوفان الدمار الذي هشم حاضر الأغلبية وألقى بمستقبلهم ببئر سحيق، أصبحت اللغة المتداولة اكثر وضوحاً وحدة في التعبير عن الرأي واختفت لغة مسك العصا من المنتصف والتلميح أو الدبلوماسية المختلطة بالخوف من العواقب”.
ولفت زقوت إلى أن هناك تصاعداً ملحوظاً في منحنى نسبة المواطنين الذين كسروا حواجز وموانع التعبير والخطوط الحمراء السابقة كما هناك قفزات بشكل مطرد تأتي كرد فعل عن حالات الإحباط الناجمة عن فشل كل جولة مفاوضات أو لقاءات أو ارتكاب مجزرة مروعة أو سرقة مساعدات، وذلك بالإضافة إلى الخطابات والتصريحات غير المقنعة لتسويق وخلق مبررات بلغة محفوظة منفصلة عن واقع الحال، بل في كثير منها مستفزة لمشاعر وعقل المواطن ويقينه التام بخطئها وكارثيتها وفشلها وهزيمتها دونما أي اعتراف ولو ضمنيا بهذا الخطأ وتقديم الاعتذار عنه وهو اضعف الإيمان.

 

خسائر تفوق أي خوف

وفي هذا السياق، قال المواطن ادهم البلتاجي (55 عاماً)، ما تكبده المواطن الغزي من آثار الحرب ولا يزال يفوق أي خوف يكمن في داخله، أولاده وإخوانه وأهله ومحبوه فقدهم كما فقد ممتلكاته التي مكث طوال عمره يكدح كي يمتلكها ذهبت في لمح البصر، وهو الآن نازح في خيمة لا يجد أدنى مقومات الحياة، ولا يوجد أمل أو افق سياسي مبشر بانتهاء الحرب، بل بالعكس المواطن الآن محبط بشكل غير مسبوق لذا تجرأ على انتقاد من تسبب بهذه الحرب التي أفضت بالإضافة إلى الدمار إلى انعدام الأمن الأمان، بل اصبحنا نعيش في غابة وكل هذا لم يحرك ساكنا عند من تسبب بما نحن فيه”.
من جهته، اعتبر المواطن “ع أح” (60 عاماً) أنه لم يعد هناك ما يخسره نتيجة انتقاده لحركة حماس ولكل ما ترتب على هذه الحرب من تداعيات كارثية.
وقال، لم اعد أخشى بطش “حماس” فبعد أن اضطررت للنزوح أكثر من مرة داخل قطاع غزة خلال الأشهر الأربعة الأولى من الحرب ومن ثم اضطررت لمغادرة غزة بعد عجزي عن توفير مكان ملائم لأسرتي المكونة من عشرة أفراد وتدهور حالتي النفسية اثر استشهاد العشرات من أقاربي لم يعد هناك ما يخيفني من (حماس)”

Exit mobile version