غزة – “وكالة صفا”: يُطارد كابوس الجوع والعطش والموت آلاف المواطنين شمال قطاع غزة، في ظل شح المواد الغذائية ومنع إدخال المساعدات، جراء استمرار حرب الإبادة الجماعية والحصار الإسرائيلي المشدد على المحافظة منذ 50 يوماً، وانعدام المقومات الأساسية للحياة.
ويعاني المواطنون شمال القطاع ظروفاً إنسانية مأساوية وأوضاعاً كارثية، تتفاقم يوماً بعد يوم، مع استمرار الإبادة والقصف والتدمير، وسياسة التطهير العرقي بحقهم.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بعمليات القتل والقصف والتدمير والإبادة في محافظة شمال غزة، بل تعمدت تعميق أزمة المجاعة والعطش وتشديد الحصار على سكانها، الذين يُواجهون خطر الموت في كل لحظة إما جوعاً أو قصفاً، دون أن يُحرك العالم ساكناً.
وتستخدم سلطات الاحتلال سياسة التجويع كسلاح للقتل والحرب ضد المواطنين في القطاع، بهدف تنفيذ مخطط التهجير القسري والتطهير العرقي، ضمن جريمة الإبادة التي ترتكبها منذ السابع من تشرين الأول 2023.
ومع استمرار العملية العسكرية شمال القطاع، يتفاقم تدهور الأوضاع الإنسانية، حتى أصبح خطر المجاعة وسوء التغذية يهددان حياة ومستقبل سكانه، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً من المرضى والأطفال والنساء.
هذا الوضع المأساوي، دفع منظمات دولية وأممية، وخبراء في الأمن الغذائي العالمي للتحذير من “احتمال قوي بحدوث مجاعة وشيكة في مناطق بشمال غزة، فيما يواصل الاحتلال عمليات الإبادة”.
وقالت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي: “هناك حاجة للتحرك الفوري في غضون أيام وليس أسابيع من جميع الجهات الفاعلة المشاركة مباشرة في الصراع أو المؤثرة في مجراه لتجنب هذا الوضع الكارثي”.
وأكدت القائم بأعمال مدير الإعلام في وكالة الغوث “الأونروا” بقطاع غزة إيناس حمدان، أن الظروف في شمال القطاع كارثية، وتزداد سوءاً يومياً.
وأوضحت حمدان أن شمال القطاع ما زال يتعرض لعمليات عسكرية مكثفة وحصار، حيث يُمنع إدخال المساعدات الإنسانية والغذاء، والدعم الصحي اللازم لإنقاذ حياة المرضى والمصابين.
وقالت: “نحن على أعتاب فصل الشتاء، وهذا يزيد معاناة السكان الذين يضطرون للنزوح بشكل مستمر، بفعل الهجمات الإسرائيلية المستمرة على شمال القطاع”.
وحسب حمدان، فإن معدلات سوء التغذية تضاعفت 10 مرات، فيما ارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي لمستويات كارثية في قطاع غزة.
وأشارت إلى أن المساعدات التي تدخل القطاع وصلت خلال تشرين الأول الماضي، إلى أقل مستوى لها بمعدل 30 شاحنة فقط يومياً، مبينة أن “الوضع على الأرض أصبح لا يُطاق”.
وأكدت أن أزمة انعدام الأمن الغذائي تتفاقم في غزة، خاصة مع نقص كميات الطحين التي تدخل للقطاع.
وتابعت: إنه “أمر يائس ومحبط للسكان، وكذلك للعاملين في المجال الإنساني على الأرض، كل من يعمل هنا يخاطر بحياته، إنهم يحاولون القيام بكل ما في وسعهم لخدمة المواطنين والنازحين”.
ووفقاً لحمدان، فإن التقارير الصادرة عن المؤسسات الأممية تحذر من مجاعة وشكية إن لم تكن بالفعل قد حدثت في مناطق شمال القطاع، مشددة على ضرورة السماح بتدفق المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية وضمان وصولها بأمان لكافة النازحين.
وبدأت أعراض سوء التغذية وملامح المجاعة تظهر على العديد من الأطفال وكبار السن الذين توافدوا إلى مستشفيي كمال عدوان والعودة شمال القطاع، في ظل عدم السماح بإدخال الطعام إلى المحافظة المحاصرة، ما يُهدّد حياة عشرات آلاف المواطنين.
المتحدثة باسم وكالة “الأونروا” لويز ووتريدج، وصفت قبل أيام، الوضع في شمال القطاع بأنه كارثي، مشيرة إلى أن الشهر الماضي شهد وقوع 64 هجوماً على المدارس التي تحولت إلى ملاجئ بمعدل هجومين يومياً، ما أدى إلى استشهاد الكثيرين، منهم أطفال.
وأوضحت ووتريدج أن الوصول الإنساني إلى المناطق المحاصرة في الشمال لا يزال محدوداً للغاية منذ أكثر من شهر. وحذرت من المجاعة الوشيكة في شمال القطاع والتحديات المرتبطة باقتراب فصل الشتاء، مبينة أن أماكن الإيواء غير كافية على الإطلاق لحماية الناس من العوامل الجوية.
وحسب المفوض العام لـ”الأونروا” فيليب لازاريني، فإن “السكان في شمال غزة يعيشون تحت حصار مشدد، يهربون من أجل حياتهم في دوائر مفرغة وحُرموا من المساعدات الإنسانية لأكثر من 40 يوماً حتى الآن”. وقال: إن “عملية إيصال القليل من المساعدات التي يُسمح بدخولها أصبحت معقدة للغاية في جميع أنحاء غزة، بما في ذلك بسبب الطرق غير الآمنة”.
ومنذ الخامس من تشرين الأول الماضي، يتعرض أهالي شمال قطاع غزة للقصف والإبادة والتدمير المتعمد، ويُتركون بلا طعام ولا ماء ولا علاج، مع استمرار الحصار واستهداف المستشفيات وخروجها عن الخدمة، وكذلك قصف مراكز الإيواء.
ولا تتوقف الطواقم الطبية والمنظمات الدولية والأممية عن إطلاق مناشدتها العاجلة لإنقاذ شمال القطاع قبل فوات الأوان، والضغط على الاحتلال لإدخال الوفود الطبية والأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والطعام لمحافظة الشمال.
وطالب مدير مستشفى كمال عدوان حسام أبو صفية العالم بالتدخل العاجل لإدخال وفود طبية جراحية ومستلزمات طبية ومركبات إسعاف، داعياً إلى “توفير حماية دولية لمنظومتنا وكوادرنا الطبية في شمال القطاع لنحافظ على حياة المرضى والجرحى الذين يحتاجون الخدمة الإنسانية على مدار الساعة، وإن كان بأقل الإمكانيات”.
