فيما توافق الحكومة السورية على التخلي عن أسلحتها الكيميائية، ثمة أسئلة تثار عما إذا كانت بعض العناصر المشاكسة في قوات الثوار السوريين قد حازت أسلحة كيميائية خاصة بها. وما تزال هناك تقارير إخبارية متفرقة بهذا الصدد، رغم أن قادة الثوار ينفون هذه التقارير.
لكن واحداً من العديد من الأسئلة التي ظلت بلا إجابة في مسودة “التقييم الحكومي” الأميركي لهجوم الأسلحة الكيميائية خارج دمشق يوم 21 آب (أغسطس)، هو ما إذا كان محللو الاستخبارات الأميركيون هم من بين أولئك الذين يعتقدون بأن الثوار يتوافرون على مخزونات من الأسلحة الكيميائية.
كانت الورقة البيضاء الصادرة يوم 30 آب (أغسطس) قد دارت حول سؤال ما إذا كان الثوار يمتلكون أسلحة كيميائية من خلال التركيز فقط على ما إذا كان الثوار مسؤولين عن الهجوم. وقالت الورقة البيضاء: “نقدر أن السيناريو الذي يشير إلى أن المعارضة هي التي نفذت الهجوم يوم 21 آب (أغسطس) غير مرجح بشكل كبير”. وأضافت: “لم تتوصل مصادر استخباراتنا في دمشق إلى أي إشارات في الأيام التي سبقت الهجوم إلى أن جهات تابعة للمعارضة كانت تخطط لاستخدام أسلحة كيميائية“.
أسلوب “الكلب الذي لا ينبح” في هذه الصياغة اللغوية يتجسد في سكوت الحكومة الأميركية حول موضوع ما إذا كان بعض الثوار يتوافرون على هذه الأسلحة. وبعد كل شيء، لماذا تعمد وكالات الاستخبارات الأميركية إلى استخدام هذا التعبير الضيق، مستبعدة احتمال إمكانية شن هجوم من جانب الثوار في هذه المناسبة بالتحديد إذا كانت تستطيع ببساطة تأكيد أن قوات الثورة لا يمكن أن تكون مسؤولة لأنها لا تتوافر على أسلحة كيميائية.
التفسير المرجح هو أن وكالات الاستخبارات الأميركية تتوافر على مؤشرات تقول إن بعض مجموعات الثوار على الأقل تمتلك أسلحة كيميائية، وربما تكون قد استخدمتها في الماضي. وهي وجهة نظر أعربت عنها في أيار (مايو) الماضي كارلا ديل بونتي، المسؤولة الرفيعة عن التحريات في الشأن السوري لدى الأمم المتحدة.
وكانت ديل بونتي قد قالت لمحطة تلفزة سويسرية-إيطالية: “ما تزال تحرياتنا تجري في بلدان مجاورة، حيث نجري مقابلات مع ضحايا وأطباء في مستشفيات ميدانية، ووفق تقريرهم… الذي شاهدته، ثمة شكوك قوية وجوهرية لكنها لا ترقى لأن تكون حجة دامغة، على استخدام غاز السارين، من الطريقة التي تمت وفقها معالجة الضحايا“.
وأضافت ديل بونتي: “وقد تم استخدام هذا من جانب المعارضة والثوار، وليس من جانب السلطات الحكومية“.
مع أن مسؤولين آخرين في الأمم المتحدة نأوا بأنفسهم عن تعليقات ديل بونتي، فإنها لم تكن الشخص الوحيد الذي أثار احتمال استخدام الثوار السوريين للأسلحة الكيميائية. وكان مسؤول وزارة الدفاع الأميركية السابق، ف. مايكل مالوف، قد كتب يوم 11 أيلول (سبتمبر) على موقع الإنترنت “وورلد نت ديلي” اليميني أن الموقع حصل على وثيقة أميركية سرية، وفيها “تؤكد القيادة العسكرية الأميركية على أنها تمت مصادرة غاز السارين في وقت سابق من هذا العام من أعضاء من جبهة النصرة، الأكثر نفوذاً بين المجموعات الإسلامية الثورية التي تقاتل في سورية“.
ورغم مالوف يتمتع بسمعة متقلبة عندما يتعلق الأمر بالدقة -لكونه كان جزءاً من الحملة الدعائية للرئيس جورج دبليو بوش في غزو العراق- إلا أنه يستشهد بمعلومات محددة مما يصفها بأنها وثيقة مبوبة تحت اسم “سري/ ليس لاطلاع أجانب” من إنتاج مركز الاستخبارات الأرضية القومية التابع لمجموعة الاستخبارات الأميركية.
وفقاً لمالوف “تقول الوثيقة إن غاز السارين قد انتقل من تنظيم القاعدة في العراق إلى تركيا، وأنه بينما تمت مصادرة البعض منه، فإنه يحتمل أن يكون المزيد قد استخدم في هجوم في آذار (مارس) الماضي على مدنيين وعلى جنود نظاميين سوريين في حلب… وكشفت الوثيقة أيضاً أن تنظيم القاعدة في العراق أنتج نوعاً “معيارياً” من السارين في العراق تم نقله إلى تركيا“.
ومقتبساً من تقرير مركز الاستخبارات الأرضي القومي التابع لمجموعة الاستخبارات الأميركية، كتب مالوف أن التقرير “يصوّر تقييمنا لحالة هذا الجهد في ذروته -بشكل رئيسي نشاطات الأبحاث والامتلاك- عندما تم تعطيلها في أواخر أيار (مايو) من العام 2013 باعتقال أشخاص رئيسيين عديدين في العراق وتركيا. وتقترح التقارير المستقبلية عن المؤشرات التي لم تتم ملاحظتها في السابق أن هذا الجهد يستمر في التقدم رغم الاعتقالات“.
وقال مالوف، بالإضافة إلى ذلك، إن تقريراً من 100 صفحة أرسلته الحكومة الروسية إلى الأمم المتحدة يدعي بأن غاز السارين لدى الثوار “تم إنتاجه في منطقة يسيطر عليها السنة في العراق، ثم جرى نقله إلى تركيا لكي تستخدمه المعارضة السورية التي انتفخت صفوفها بأعضاء القاعدة والمجموعات التابعة لها“.
في الأسبوع قبل الماضي، حصل المدعون العامون في جنوبي تركيا على لائحة اتهام تزعم بأن مجموعتين من الثوار السوريين كانتا تسعيان إلى شراء كيماويات خام لغاية تصنيع وإنتاج غاز السارين، كما أوردت وسائل الإعلام التركية. وضمت لائحة الاتهام ستة من المدعى عليهم، بمن فيهم المواطن السوري هيثم كساب، واتهمهم بالسعي للحصول على مواد كيميائية لصالح الثوار الإسلاميين في جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام.
وقال المدعون العامون الأتراك إنهم لم يعثروا على أي سارين حقيقي خلال اعتقالات أيار (مايو) التي أفضت إلى توجيه الاتهام، لكن القضية وفرت المزيد من الدليل على أن بعض مجموعات الثوار السوريين حاولت تسليح نفسها بأسلحة كيميائية. وكانت الحكومة السورية قد حملت الثوار مسؤولية شن هجمات عدة بالأسلحة الكيميائية على ما يبدو، بما فيها ذلك الهجوم الذي جرى يوم 21 آب (أغسطس)، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها أشاروا بأصابع الاتهام إلى الجيش السوري النظامي.
في حالة الهجوم الذي شُنّ في 21 آب (أغسطس) الماضي، والذي أفضى للتهديد برد عسكري أميركي ضد نظام الرئيس بشار الأسد، أكدت إدارة الرئيس أوباما بـ”ثقة عالية” أن الحكومة السورية هي المسؤولة، لكن “تقييم الحكومة” لم يقدم أي دليل، يمكن التأكد من صحته، عن مسؤولية الأسد.
في الأثناء، ذكر صحفي إيطالي ومدرس بلجيكي كان قد أفرج عنهما للتو بعد شهور من اعتقالهما لدى الثوار السوريين أنهما استرقا السمع على الثوار وهم يدعون المسؤولية عن الهجوم الكيميائي في 21 آب (أغسطس) الماضي. وقال دومنيكو كوريشو، الصحفي، وبيير بيكسينين، المدرس، إنهما استمعا إلى خاطفيهما وهما يناقشان هجوم 21 آب (أغسطس) على ضاحية الغوطة بالقرب من دمشق، ويقولان إن قوات الأسد لم تكن هي التي تقف وراءه.
قال بيكسينين لراديو “آر تي أل” البلجيكي: “لم تكن حكومة بشار الأسد هي من استخدم غاز السارين أو أي غاز آخر في الغوطة”. وأضاف: “إننا متأكدان من هذا لأننا سمعنا بغير قصد محادثة بين الثوار. ويؤلمني قول هذا لأنني كنت مؤيداً قوياً للجيش السوري الحر في قتاله من أجل الديمقراطية منذ العام 2012“.
من جهتها، أثارت تقارير أخرى من مسرح الأحداث شكوكاً حول موثوقية “التقييم الحكومي” الأميركي الذي يحمل الحكومة السورية المسؤولية. وعلى سبيل المثال، عرض موضوع نشرته “منت برس نيوز” استناداً إلى مقابلات أجراها مع أناس في دمشق والغوطة، أدلة على أن “الولايات المتحدة وحلفاءها ربما يستهدفون المرتكب الخطأ…”
وجاء في التقرير: “من مقابلات عديدة أجريناها مع أطباء ومواطنين من الغوطة ومقاتلي الثوار وعائلاتهم… يعتقد العديدون بأن بعض الثوار المعينين تسلموا أسلحة كيميائية عبر الاستخبارات السعودية، وأنهم كانوا المسؤولين عن تنفيذ الهجوم بالغاز“.
واستشهد التقرير بتعليقات لمواطنين في الغوطة على صلة بالثوار، والتي تشير إلى أن إطلاق غاز السارين قد يكون ناجماً عن قذيفة مدفعية تقليدية أطلقتها القوات الحكومية، والتي أصابت على نحو عرضي موقع مخزن للثوار كان يحتوي على أسلحة كيميائية، أو قد يكون ناجماً عن مناولة رديئة من جانب الثوار لمادة خطيرة.
وقال لي مصدر استخبارات متابع للصراع السوري إن بعض المحللين الأميركيين يعتقدون بأن الثوار السوريين يتوافرون على أسلحة كيميائية، ربما حصلوا عليها بمساعدة المخابرات السعودية التي ما تزال ترفد الثوار، بما في ذلك بعض العناصر الإسلامية الأكثر تطرفاً، بالكثير من المعدات العسكرية والأموال.
على ضوء هذه التقارير المختلفة -وقبول الحكومة السورية للمطالب الروسية بأن تسلم أسلحتها الكيميائية- ربما تريد الولايات المتحدة التقدم بطلب مماثل للثوار. وعلى الأقل، قد توضح إدارة أوباما ما تحتويه ملفات مخابراتها الخاصة عن حيازة الثوار للأسلحة الكيميائية.
*صحفي استقصائي أماط اللثام عن العديد من قصص قضية إيران- كونترا لصالح وكالة أخبار الأسوشيتدبرس ومجلة النيوزويك في الثمانينيات من القرن الماضي.
*
(ميدل إيست أونلاين) -ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Do Syrian Rebels Have Sarin?
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
