أثبتت الأحداث التي عصفت وتعصف بمنطقتنا منذ السابع من اكتوبر ٢٠٢٣ وحتى يومنا هذا، أن اعتناق طرف ما لأي فكر خارج الإطار الوطني، أكان هذا الفكر دينيا أو غيره، إنما يبعد هذا الطرف عن الأهداف الوطنية الجامعة. كما وأن تلقي جماعة أو فصيل ما دعما ماليا أو عسكريا من أي قوة إقليمية أو دولية يحولها إلى جماعة تابعة فاقدة لاستقلاليتها. وهذا ما حصل مع بعض القوى الفلسطينية التي اعتنقت الفكر الإخواني الذي لا يعترف بجغرافيا الأوطان، أو اصبحت جزءا من تحالف أو محور تقوده دولة اقليمية، فأصبحوا تابعين لإرادة هذه الدولة التي لا هم لها سوى مصالحها وتوسعها ونفوذها الجيوسياسي. صحيح أنه يمكن لهذه الأطراف أن تحقق مرحليا بعض الإنجازات نتيجة هذا الدعم، لكن على المدى الطويل ومن المنظور الاستراتيجي تكون هذه الجماعات مجرد أدوات، ويكون الوطن والشعب أكبر الخاسرين. فالرهان الوحيد الذي لا يخطئ هو الرهان على الشعب وقواه الوطنية، وأي رهان آخر هو رهان خاسر. لذلك كان قرار القيادة الفلسطينية منذ انطلاقة ثورتنا المعاصرة هو انتزاع منظمة التحرير الفلسطينية من براثن النظام العربي والتمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل مهما بلغت التضحيات. وقد كانت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني منذ انطلاقتها ولا زالت من رواد المناضلين ليبقى هذا القرار وطنيا فلسطينيا مستقلا، مع بناء أكبر شبكات الدعم العربي والدولي باعتبار القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب واحرار العالم دون تبعية أو ارتهان.
يثبت الوضع القائم اليوم في غزة ولبنان وسوريا صوابية موقف المنظمة والجبهة بالتمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل. فالداعمين أصحاب الطموحات الإقليمية والدولية ليسوا سوى مستثمرين في الأزمات، يغادرون حين شعورهم بالخسارة أو الخطر، ولا يبقى على الأرض سوى مأساة شعب ووطن وجماعات تشعر بالخذلان بعد فوات الأوان، وهذا شيء طبيعي ، فالتبعية تفرض على التابع الدفاع عن مصالح المستثمر، أما مصلحة التابع فتكون مهمة طالما هي قادرة على خدمة مصالح المشغل.
لقد قدم شعبنا التضحيات الجسام منذ انطلاقة ثورته دفاعا عن استقلالية قراره، وتعرض للهجمات من كل حدب وصوب، وفقد الآلاف من خيرة أبناءه ودمرت مخيماته وتحمل المستحيل وصمد ولم يرضخ.
وبمقارنة بسيطة بين من لم يخضع ومن خضع، فإن منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها وفي مقدمها جبهتنا، عادت بفخر وبهامات مرفوعة إلى أرض الوطن ومعهم الآلاف من أبناء شعبنا. تم تأسيس السلطة الوطنية التي عملت على بناء نظام سياسي يبني الوطن ويحميه. طورت وبنت المدارس ووضعت المناهج الوطنية الحديثة، كما أقامت وعملت على بناء المؤسسات كالمطار والميناء والمستشفيات وغيرها، وحقق شعبنا نوعا من السيادة على أرضه. فلو كانت القيادة الفلسطينية تابعة لأي قوة خارجية لما حققت ما حققته من انجازات والتي فقدنا الكثير منها نتيجة هيمنة القوى الإخوانية على جزء من وطننا، وقبولها الارتهان لقوى ودول خارجية. فتنفيذ أجندات هذه القوى والدول أعطى دولة الاحتلال المبرر لعملية السور الواقي والانتقال إلى القوة العسكرية في إدارة الصراع. وخسر شعبنا ما خسر مع تسارع غير مسبوق في توسيع الاستيطان. كما وأن انقلاب العام ٢٠٠٧ في قطاع غزة لم يكن سوى تنفيذا لأجندة وأوامر قوى خارجية هدفها إسقاط القرار الوطني الفلسطيني المستقل وتحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة تخدم مصالحها في توسع نفوذها في المنطقة وتعزيز موقعها الاقليمي و موقفها التفاوضي في عملية إعادة رسم خارطة المنطقة، وحل اشكالياتها العالقة مع القوى صاحبة النفوذ العالمي والاقليمي.
إن الارتهان للأجندات الخارجية ساهم وبشكل كبير بالوصول إلى ما وصلنا اليه اليوم، حيث تم توفير الفرص لدولة الاحتلال لارتكاب أبشع المجازر في وطننا ، وشن حرب إبادة في غزة لم يعرف التاريخ المعاصر لها مثيلا، وحرب استيطان لا حدود لها في الضفة الغربية . فلقد كانت دولة الاحتلال تدرك أن نجاح السلطة الوطنية الفلسطينية في بناء مؤسسات الدولة وانضمام فلسطين إلى المؤسسات والمنظمات الدولية والاممية سيؤدي حتما إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. كما وأن رفع فلسطين للقضايا في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية ضد أركان النظام الصهيوني منذ العام ٢٠١٥ إنما يشكل تهديدا مباشرا لكيانهم وحاجزا منيعا أمام تنفيذ مخططاتهم في ضم الأراضي وإنهاء الوجود الفلسطيني وتصفية قضيتنا الوطنية. وقد وجدوا بأحداث السابع من اكتوبر نافذة لاختراق هذا الحاجز المنيع، وتوقيتا مناسبا لشروع نتنياهو وحكومته الصهيونية الدينية المتطرفة بمحاولة حسم حربه مع الوجود الفلسطيني وبناء شرق اوسطه الجديد.
إن الهدف من استعراض هذه المراحل من تاريخ نضالنا هو محاولة للمقارنة بين ما حققته قوانا الوطنية صاحبة القرار الوطني المستقل وفي طليعتها جبهة النضال الشعبي الفلسطيني من انجازات وطنية تاريخية، وبين حجم الخسائر والكوارث التي تسبب بها ارتهان البعض لأفكار خارج المفهوم الوطني ولقوى ودول خارجية ذات أجندات وطموحات اقليمية. والمسؤولية في الخسارات لا تقع على عاتق المستثمرين الخارجيين ، بل على عاتق من صادر دور الشعب وحقه في بناء نظامه السياسي في إطار سلطته الوطنية تحت عباءة منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة القرار الوطني المستقل.
لقد آن الأوان للأطراف والقوى التي رهنت نفسها ، أن تقر بحجم الضرر الهائل الذي لحق بالمنطقة ككل نتيجة ارتباطاتها ورهاناتها الخارجية. فهل تملك حركة حماس البصيرة للإقرار بسوء خياراتها منذ انقلاب غزة وحتى اليوم مرورا بالسابع من اكتوبر، وهل هي قادرة على الابتعاد عن المغامرات الغير محسوبة واتخاذ قرار جريء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بتسليم الأمور في غزة للسلطة الوطنية الفلسطينية صاحبة الحق الشرعي ، وللتظلل هي وغيرها لا سيما بعد المستجدات الأخيرة في المنطقة، بعباءة منظمة التحرير الفلسطينية الحاضنة للكل الفلسطيني والتي كان قرارها وسيبقى قرارا فلسطينيا وطنيا مستقلا عماده حق العودة وإقامة الدولة والقدس عاصمة.
