لو علمت الولايات المتحدة الأمريكية أنها أيقظت المارد الصيني قبل ستين عاماً، عندما هددت بالسلاح النووي في أكثر من نزاع حينها، من بينها أزمة مضيق تايوان والحرب الكورية، لكانت أعادت حساباتها ربما، لكن الوقت مضى، والسلاح النووي الذي أثار رعب بكين يومها لم يعد هاجساً، بعد خطوات حثيثة بدأتها بكين بقرار من الرئيس حينها ماو تسي تونغ، لامتلاك ترسانة نووية تضاهي ما تمتلكه أربع دول سبقتها في التكنولوجيا النووية، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والاتحاد السوفياتي حينها.
في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1964 أجرت الصين أول تجربة نووية تحت اسم “المشروع 596″، بعد 32 شهراً فقط من بدء تجاربها لامتلاك سلاح نووي، واستمرت في تعزيز تلك القدرات حتى اللحظة، لتصل إلى ما يقارب 500 رأس نووي حالياً، وفقاً لتقديرات أمريكية. التوقعات تشير أيضاً إلى أن الصين ستصل إلى 1500 رأس نووي عام 2035، ضمن خطة أكبر أمر بها الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ لتحديث القوات المسلحة الصينية بشكل كامل بحلول منتصف العقد الرابع من القرن الحالي، من أجل أن تصبح بلاده قوة عسكرية قادرة على “الانتصار في الحروب التي تخوضها” بحلول عام 2049.
سر هذا العام يكمن في أنه يصادف الذكرى المئوية لانتصار الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ، والتي أنهت أكثر من مئة عام من الهزائم والتحييد والتهميش التي مرت بها الصين منذ العام 1839، ولأجل الذكرى المئوية المنتظرة، يعتقد الرئيس الصيني أن التوازن الاستراتيجي مع قوى العالم يتحقق عبر الأسلحة النووية، ليس بمعنى الرؤوس النووية فقط، بل عبر استخدام التكنولوجيا الذرية في كل التفاصيل العسكرية، فقد كُشف النقاب عن خطط صينية محتملة لبناء أول حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، أسوة بالولايات المتحدة وفرنسا.
وعلى ما يبدو فإن الصين لا تريد ردعاً نووياً عادياً. الخطوات والمعلومات تكشف أن بكين تريد أن تمتلك قدرات توازي قدرات واشنطن النووية في قطاعات العسكر كافة، بمعنى امتلاك القدرة على إطلاق الصواريخ الباليستية من البر والبحر والجو، محملة برؤوس نووية. هذا فقط ما يرضي العقلية الصينية ويحقق لها التوازي في هذا الملف مع واشنطن. ناهيك عن الاستفادة من التكنولوجيا النووية لتعزيز الردع البحري على حدود تمتد لأكثر من ثمانية عشر ألف كيلومتر، ولطالما كانت هذه الحدود منطلقاً للحروب التي هُزمت فيها الصين على مر التاريخ. في مطلع العام 2023 تم الكشف عن إطلاق الصين غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية ومزودة بنظام دفع نفاث بدلا من المحركات المروحية.
لكن الجانب النووي “الردعي” ليس إلا دليلاً واحداً من عدة أدلة أخرى على توجهات الصين الحثيثة كي تصبح “زعيمة العالم”، فالحرب النووية قد لا تكون خياراً، وبالتالي فإنه على أهمية الردع النووي من المهم للصين أن تمتلك أسلحة مختلفة أخرى تمنحها تفوقاً في أي حرب غير تقليدية قد تندلع على مستوى العالم. يعتقد خبراء غربيون أن الصين امتلكت وجرّبت صواريخ فوق صوتية تجمع بين تلك المنزلقة (التي تظل ضمن الغلاف الجوي للأرض) والمدارية الجزئية (التي تحلق في مدار منخفض قبل أن تتسارع نحو هدفها)، ورغم النفي الصيني لهذه المعلومات، إلا أن الغرب يؤمن بأن التطور العسكري الصيني يسير بوتيرة أسرع من التوقعات.
إلى جانب ذلك، تسير خطوات الصين بتسارع في مجالات مهمَّة أخرى: الأقمار الصناعية العسكرية، التكنولوجيا السيبرانية، الذكاء الاصطناعي، والطائرات المقاتلة. عشية الذكرى الـ 75 لتأسيس القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي، كشفت الصين عن المقاتلة “J-35A”. الجيل الخامس من هذه المقاتلات تضاهي وفق تقارير غربية طائرة الشبح الأميركية “F-34″، ومهمتها -وفقاً لصحيفة “الشعب” الصينية “- صناعة التفوق الجوي والحفاظ عليه.
كل تلك الخطوات العسكرية الصينية تتم بحزم وهدوء. حزم يظهر جلياً عبر رفض الصين أي تدخلات غربية في بحر الصين الجنوبي، باستخدام لغة أقرب إلى التهديد من أي تحركات عسكرية أمريكية في تلك المنطقة، إضافة إلى تلويح بتصعيد المواجهة مع واشنطن والغرب في ملف تايوان. أما الهدوء فتعتمده الصين في مقاربتها لكثير من القضايا العالمية الأخرى، بدءاً بالموقف من العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وصولاً إلى ما يجري في منطقتنا العربية من كباشات بدأت في السابع من أكتوبر في غزة، ثم في لبنان ووصلت ذروة غير مسبوقة في الأيام الأخيرة، عبر ما حدث في سورية. ناهيك عن قدرة صينية ملموسة على بناء تحالفات مع روسيا وكوريا الديمقراطية ودول لاتينية، بما يناسب العقلية الصينية في التعاطي مع ملفات العالم حالياً.
لم نغفل الحديث عن الجانب الاقتصادي في تفاصيل التقدم الصيني نحو تحقيق “الحلم الصيني” الذي أعلن عنه شي جين بينغ منذ توليه الرئاسة في العام 2013، لكن العالم بأسره يتابع هذا الملف عن كثب، ونسجل في حديثنا عنه بضع نقاط: أنه يتقدم بهدوء لكن بخطى ثابتة، وأنه يحدد سنوية الثورة الصينية موعداً لإنجاز مبادرة “الحزام والطريق”، والتي من شأنها أن تمنح الصين سيادة العالم اقتصادياً، بما يعني إنجاز الركيزة الثانية من ركائز القوة التي تضمن لبكين المرتبة الأولى في العالم لعقود قادمة، وأنه يتم عبر استثمارات صينية تجتاح العالم من آسيا إلى أفريقيا وغيرها، وعبر تكنولوجيا عالية الجودة رخيصة الثمن تضاهي التكنولوجيا الأمريكية.
رغم الغموض المقصود والبنّاء والناجح في كثير من الأحيان، تراقب الولايات المتحدة الأمريكية خطوات الصين، وينشر الإعلام الأمريكي ما تريد واشنطن لبكين أن تدرك أنها تعرفه. وربما لهذا شن دونالد ترامب الرئيس الأمريكي العائد إلى البيت الأبيض لولاية ثانية حرباً تجارية وُصفت بالـ “مدمرة” ضد الصين، ومن المؤكد أن طريق بكين للوصول إلى “حلمها” عام 2049 لن يكون معبداً بالورود، لكن الأكيد أن الصين تبدو أكثر قدرة واستعداداً للوصول إلى هدفها، وأنها وضعت لنفسها هامشاً من الزمن بين موعد انتهاء خططها إذا سارت الأمور كما ترغب (أي عام 2035)، وبين مئوية قيام جمهورية الصين الشعبية، وهو ما يعطيها وقتاً مهماً لتحقيق طموحاتها، في حين أنه يشكل عامل ضغط على الولايات المتحدة التي يعود إليها رئيس افتعل مشاكل مع كل حلفائه في فترة ولايته السابقة.