الرئيسية الاخبار وجهان للدور الأميركي في الشؤون العالمية

وجهان للدور الأميركي في الشؤون العالمية

211419

تبدو التصرفات الأخيرة للولايات المتحدة مليئة بالتناقضات. وكدليل على ذلك، لكم أن تتأملوا في الاختلاف الصارخ بين الطريقة التي ردت من خلالها المجموعة الدولية على تطورين رئيسيين -الهجمات الإرهابية يوم 11 أيلول (سبتمبر) من العام 2001 في مدينة نيويورك، والحالة الراهنة في سورية. كان الحدث الأول تطوراً مأساوياً أفضى إلى مقتل أناس أبرياء من مختلف القوميات، وولد تدفقاً عفوياً لمشاعر التعاطف مع الشعب الأميركي نتيجة لمعاناته على أيدي المتطرفين الإسلاميين المضللين والتنظيمات التي تظللهم. وثمة العديد من البلدان التي تعاطفت بصراحة مع الألم الذي عانت منه الولايات المتحدة، فسارعت المجموعة الدولية إلى تبني فكرة مكافحة الإرهاب -في كل أشكاله- كأولوية للتعاون فيما بين الدول، وسارعت الخطى في اتجاه خلق إطار العمل القانوني والضروري لتنفيذ القانون الذي تمس الحاجة إليه لقتال الشر المجتمعي. وفوق ذلك، كان أن تبنت الأمم المتحدة 13 مادة ضد الإرهاب في أعقاب تلك المأساة، والتي اضطلعت الولايات المتحدة بدور نشط للغاية في تطويرها وتنفيذها.
الآن، بعد اثني عشر عاماً، تحاول الولايات المتحدة، “الديمقراطية الرائدة” في العالم لعب دور المحكم العالمي. ومع ذلك، أصبحت هي نفسها بمثابة “المرتكب المتكرر” لانتهاك التزاماتها القانونية، بما في ذلك تلك الالتزامات التي تحتفظ بها باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي. وقد أفضى ذلك بدوره إلى تقويض المبادئ الأساسية أو الأحكام الإلزامية للنظام العالمي، وعلى نحو سرّع من وتيرة نمو اتجاه العدمية القانونية حول العالم. وفي الأثناء، سعت “مؤسسة حفظ السلام” بقيادة واشنطن وشركائها إلى تحقيق أهدافها عن طريق استخدام القوة في بلدان مثل العراق وليبيا. وهي تحاول مأسسة قواعد السلوك استناداً إلى مصلحة جيوسياسية ذاتية، والتي تبدو حكماً من المناطق الساخنة في العلاقات الدولية بعيدة جداً عن أهداف ومبادئ الأمم المتحدة.
وقد بلغ هذا الاتجاه أوجاً جديداً مع تهديدات واشنطن العدوانية الموجهة لسورية، وبانتهاج سياسة لا تحظى بدعم المجموعة الدولية. وسيكون من شأن هذه الممارسات أن تزعزع استقرار النظام العالمي، وأن تحفز سباق التسلح وتدمر الإيمان بالعدالة وحكم القانون. ومسترشدة بمبدأ “القوة تصنع الحق”، تقوم الدبلوماسية الأميركية بنبذ الأعراف العامة للقانون الدولي باعتبار أنها عديمة الفائدة. وهي تقوم بانتهاك وتهدد الحقوق المعترف بها عالمياً لكل الدول -وتلك الخاصة بالمجموعة الدولية ككل- بالوجود والنمو.
هذا ما يفسر رد فعل العدد الكبير من البلدان والهيئات الدولية والمنظمات غير الحكومية والأديان ووسائل الإعلام الدولية على الخطط السوداوية التي يتبناها الرئيس الأميركي، والصقور بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري وأجهزة الأمن القومي والمجمع العسكري الصناعي، لمعاقبة الشعب السوري. وكان رد الفعل العالمي، وما يزال، معاديا بقوة للحرب على نحو يستحيل عدم ملاحظته. وقد حفزت الغضبة على البحث عن حل جديد للأزمة، بما في ذلك الاتفاق على وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت السيطرة الدولية.
في هذا الإطار، تعرض المبادرة والطاقة التي أظهرتها الدبلوماسية الروسية، بالإضافة إلى إمارات التفكير المنطقي من جهة الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الخارجية الأميركي جون كيري وأعضاء التجمعين في الكونغرس بعض الأمل بحل سلمي للأزمة. ويحتاج ذلك الزخم الإيجابي إلى أن يتكثف في كل المجالات، على المستويات القومية والدولية على حد سواء. وبغير ذلك، سوف تتعمق وحسب مناطق الخطأ المزعزعة للاستقرار، وتتفاقم الكسور الموجودة أصلاً في العلاقات الدولية.
يجب على كل الدول، بعض النظر عن حجمها أو نفوذها السياسي والاقتصادي، أن تسهم في تعزيز الأمن العالمي عبر الاستمرار في احترام الأمم المتحدة والقانون الدولي. وسيكون لدى أعضاء المجموعة الدولية الكثير جداً من العمل على هذا الأمر في قادم الأيام. ومن المهم جداً أن يعمل البرلمان الروسي، وكذلك الدبلوماسية الروسية العامة، بحكمة ونشاط خلال هذه الفترة. ويجب على الفرعين التنفيذي والتشريعي في الحكومة الروسية العمل بتناغم من أجل الحيلولة دون التهديد بتدخل عسكري مباشر في سورية.
ويجب على اللاعبين الدوليين كافة، بمن فيهم روسيا والولايات المتحدة والبلدان القادرة الأخرى، رصد فعالية المؤسسات الأمنية الدولية القائمة، وإيلاء اهتمام حاسم لمسألتي عدم الانتشار ونزع التسلح الدوليين. ويجب عليهم تطوير برنامج كبير يهدف إلى زيادة منسوب الثقة والاحترام بين الدول وتحسين النظام القانوني الدولي.
لتحقيق ذلك، يبدو من الواضح أن مجموعة الأمم تحتاج إلى عقد جلسة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي يتم تكريسها لتحليل إجراءات بناء السلام في العالم، وللتغلب على الخلافات في العلاقات بين الدول وبين الأديان وفي العلاقات الدولية. ويجب إيلاء اهتمام خاص بتقوية الأمم المتحدة والأمن الإقليمي والتعامل المتجانس في داخل إطار القانون الدولي.
يجب أن تهدف سياسة روسيا الخارجية وعملها مع شركائها إلى دمج جهود كل الدول والتنظيمات المهتمة بالتنمية المتطورة للمجموعة العالمية في القرن الحادي والعشرين بالكامل، وثمة آفاق قائمة لتحقيق ذلك في المجالات النفسية والفكرية والقانونية.
يجب علينا أن نكون واقعيين، ولن يكون ذلك أمراً سهلاً. لكن حقيقة أن الدبلوماسية العالمية تبدو عاكفة اليوم على إيجاد حل سلمي للأزمة السورية تتحدث جيداً عن تحكيم المنطق والتعقل. وفي هذه الحالة، فإنه من المهم جداً أن تنشأ قوة جديدة لتصبح جزءاً من الشؤون العالمية. وعلى العكس من الأخريات، يجب أن تعترف هذه القوة بسيادة الدول الأخرى، وبمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول وباحترام ميثاق الأمم المتحدة والوفاء بالتزامات العضو دائم العضوية في مجلس الأمن. ويجب عليها المشاركة بنشاط في البحث عن تعددية فعالة وفي محاربة العدمية وكل ما جسدته الحرب الباردة. وسيكون ذلك هو نوع اللاعب الكبير الجذاب للمجموعة العالمية، والذي يخلق جواً من التفاهم المتبادل في العلاقات الدولية ويفي بالمتطلبات اللازمة لأفضل إدارة للعلاقات العالمية.
تفرض طبيعة السياسة في عالم اليوم تحكيم معايير عالية على كل الدول، وتتطلب التصرف بمسؤولية. ويجب أن تفي تصرفات الدول باحتياجات الوقت الراهن، كما يجب أن تتمسك بالمبادئ الأساسية للنظام الدولي. ويسري هذا المعيار السياسي والقانوني على الولايات المتحدة أيضاً.
إن لقوى الديمقراطية والتقدم الحق في التقدم بهذه المطالب، وهي مطالب مستندة إلى حتميات القانون الدولي والأخلاق. ويجب أن يصب في مصالح الحكومة الأميركية نفسها أن تعترف بتلك المطالب ونوع الأعمال التي تتطلبها. ومن شأن التقيد بمثل ذلك أن يحسن من صورتها في العالم. وتستطيع المجموعة الدولية أن توجه الدبلوماسية الأميركية في الاتجاه الصحيح من خلال اقتراح تصحيح للمسارات في مبادراتها السياسية. في هذا القرن الجديد، لا يمكن إنجاز الأمن الدولي إلا بالعمل الجماعي.


فاسيلي ليكاتشيف* – (ذا موسكو تايمز)

سفير روسيا السابق وممثلها الدائم لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وهو نائب رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الفدرالية.

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version