في عاصمة بريطانيا، الدولة التي منحت “الوعد” بإقامة “إسرائيل” على أرض فلسطين العربية قبل 107 أعوام، في قلب لندن، ورغم انشغال العالم باحتفالات العام الجديد، يقف مواطن بريطاني شامخاً مقاطعاً، كنوع من “أضعف الإيمان” لمساندة الشعب الفلسطيني الذي يُباد منذ عام وثلاثة أشهر في غزة، ومنذ نحو 77 عاماً في كل فلسطين. في كل أنحاء العالم، يقف اليوم كثيرون أمام سلسلة مطاعم “ماكدونالدز” المنتشرة في كبريات المدن العالمية، ليقولوا: “ماكدونالدز متواطئ في الإبادة الجماعية، بل أحد المتواطئين”. المقاطعة إذاً سلاح المستضعفين في وجه الظالمين.
اسمحوا لي أن أعتذر عن مغالطة كبيرة وردت في المقدمة: المقاطعة ليست “أضعف الإيمان”، بل إنها تتحول تدريجياً إلى سلاح أكثر فعالية من أسلحة الحرب التقليدية. بعد عام وثلاثة أشهر على حرب الإبادة، وبعد نحو 19 عاماً على تأسيسها، تبدو موجة مقاطعة المنتجات التي تدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أكثر زخماً، وينضم لها كثير من المواطنين يومياً. في سورية مثلاً، التي انفتحت منذ 8 ديسمبر على بضائع من كل الأشكال والألوان، يتناقل المواطنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحذيرات من شراء البضائع التي تدعم “إسرائيل”، وتأتي ردود الأفعال مؤيدة للمقاطعة، داعمة لفلسطين.
“إسرائيل” نفسها دعمت المقاطعة! بمعنى أن صور المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة، والتي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بكل اللغات، زادت وعي المواطنين “العاديين” للقضية الفلسطينية، وعدالة مطالب الشعب الذي يعاني آخر استعمار قديم في العالم، بهذا المعنى فإن تل أبيب هي المسؤول الأول عن “الحصار الاقتصادي” الذي فرضه العالم على “إسرائيل” وعلى داعميها. المسؤول الثاني هو تلك الشركات التي تتحدى المشاعر الإنسانية التي تجتاح العالم، وتعلن بوقاحة دعمها لتل أبيب رغم حرب الإبادة الجماعية المستمرة.
بالأرقام مثلاً، انخفضت أرباح “ماكدونالدز”، وهي بالمناسبة أكبر سلسلة مطاعم للوجبات السريعة في العالم، نحو 160 مليون دولار في النصف الأول من العام المنصرم 2024 (حتى لحظة كتابة هذه المادة لم تصدر إحصائيات العام 2024 كاملاً)، وهو التراجع الأول في مبيعات الشركة منذ أكثر من ثلاث سنوات. سلسلة مطاعم القهوة الشهيرة “ستاربكس” خسرت في الربع الثالث فقط من العام المنصرم أكثر من 300 مليون دولار. الأمر نفسه يسري بنسب متفاوتة على شركات أخرى تدعم “إسرائيل”.
يتعدى الأمر مواضيع “الطعام والمشروبات” إلى شركات أكثر تأثيراً مباشراً. شركات إنشاءات إسبانية كان لديها عقود لمشاريع هامة مع حكومة الاحتلال الصهيوني شهدت انخفاضاً ملحوظاً في عقودها الأخرى في النصف الأول من العام 2024 بسبب الضغط الدولي والشعبي ضد سياسة “البناء في المستوطنات” التي أصبحت في دائرة الضوء أكثر فأكثر منذ بدء حرب الإبادة على غزة.
المقاطعة اليوم تأخر منحيَين: الأول شعبي عالمي، بمعنى أن المواطن الذي لا يملك ما يمكنه أن يقوم به لنصرة الأطفال والنساء المحاصرين المهجرين المقتولين في غزة، يجد في المقاطعة تعبيراً عن رفضه لتلك السياسات، وهو يعلم أن “ربحاً أقل للشركات الداعمة لإسرائيل تعني تمويلاً أقل للسلاح الذي يقتل الفلسطينيين” فهم بقدر ما هو بسيط بقدر ما هو حقيقي. المنحى الثاني رسمي، يتمثل في خطوات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة تضر بالمستهلك الإسرائيلي وبحكومة نتنياهو معا.
صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية كتبت في منتصف العام الماضي أن “العالم بدأ يفقد صبره من سلوك إسرائيل في حرب غزة”، وأن ترجمة فقدان الصبر هذا تتخذ شكل خطوات اقتصادية خطيرة، منها: تقييد صادرات المستوطنات، وإلغاء المؤتمرات، والتراجع عن المشاريع التجارية، بعد قرار غير معلن من الشركات العالمية متعددة الجنسيات بالبقاء على مسافة من “إسرائيل” جراء الغضب العالمي من سياساتها.
جاء ذلك تزامناً مع إعلان العديد من الدول الأوروبية على رأسها إسبانيا اعترافها بالدولة الفلسطينية، وملاحقات قضائية في عدد من الدول لمسؤولين إسرائيليين، ثم قرار جريء من حكومة جزر المالديف بعدم السماح للإسرائيليين بدخول البلاد جراء حرب الإبادة التي تُشن على غزة. يُضاف إلى ذلك قرار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المقاطعة على تصدير البضائع والمواد الخام إلى “اسرائيل”.
لا تعلن تل أبيب عن تأثير المقاطعة على اقتصادها، لكن تقريراً سابقاً يكشف بعض التفاصيل، وإسقاطه على الواقع الحالي يمكن أن يزيح الكثير من غموض المعلومة. صحيفة تركية نشرت تقريراً سابقاً لمؤسسة “راند كوربوريشن” الأميركية، أشارت فيه إلى أن المقاطعة الاقتصادية لـ “إسرائيل”، شعبياً ودولياً، ما بين 2013 و2014 تسببت في خسارة تراكمية تقدر بحوالي 15 مليار دولار، وهو ما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للفرد في “إسرائيل” بنسبة 3.4%، تعتبر حملة المقاطعة الحالية هي الأقوى في تاريخ “إسرائيل” منذ نشأتها قبل قرابة 77 عاماً.
ولكي نفهم أكثر كيف تؤثر المقاطعة على الشركات والحكومات التي تدعمها، وهي هنا حكومة “إسرائيل”، لنستعرض سريعاً أهم إنجازات حركات المقاطعة عبر التاريخ. يسجل التاريخ قبل أكثر من 200 عام مثلاً، أن حملة لمقاطعة السكر الذي ينتجه العبيد في إنجلترا نجحت في إلغاء قانون العبودية، أما المصطلح فأطلقته صحيفة “تايمز” البريطانية عام 1880 للتعبير عن رفض عمال أيرلنديين رفض عمالها التعاون مع وكيل أراضٍ إنجليزي. نجحت كثير من حملات المقاطعة عبر التاريخ في تحقيق ما كان البعض يعتقده مستحيلاً: بفكرة من الثائر السلمي المهاتما غاندي، قاطع الهنود شركات الاحتلال البريطاني، وطبقوا مقولته: “كلوا مما تُنتجون، والبسوا مما تصنعون، وقاطعوا بضائع العدو، احملوا مغازلكم واتبعوني”. الخسائر الاقتصادية كانت أحد أهم عوامل إنهاء الاستعمار.
لكم أن تتخيلوا إذاً كيف يمكن أن يكون تأثير المقاطعة على “إسرائيل” تراكمياً، على اقتصادها وعلى بنيتها، فسلاح المقاطعة يتعدى كونه أسلوباً استهلاكياً إلى فكرة الوعي السياسي بالقضية موضوع الفعل أو السلوك. دراسة لكلية “كيلوغ” الأمريكية للإدارة تقول إن المقاطعة تؤثر على أمرَين: مبيعات الشركات وأرباحها، والسمعة التجارية للمنتج. في حالة الشركات التي تدعم “الجيش الإسرائيلي”، هذا أمر بعيد المدى، ويهدد بخسائر قد تدوم لفترة طويلة. في حالة “إسرائيل” كجيش وكيان، فإن الأثر الاقتصادي واضح ويلمسه الأفراد بشكل مباشر في جيوبهم، بمعنى انخفاض مستوى حياتهم اليومي، لكن الأثر الأخطر هو على “السمعة” التي حرصت تل أبيب على تلميعها عبر سنوات طويلة من الكذب والتحريف وتزييف الحقائق وقلب المصطلحات. هذه هي الخسارة الأكبر ربما، والتي قد تقود إلى تحقيق الانتصارات التي يرجوها ابناء شعبنا لفلسطيني وشرفاء العالم: إقامة الدولة الفلسطينية العتيدة وعاصمتها القدس واستعادة كامل الحقوق المسلوبة، رغماً عن أنف الاحتلال وداعميه.
