الرئيسية الاخبار الحياة في مرتفعات الجولان تعكس سياسة إسرائيل تجاه سورية

الحياة في مرتفعات الجولان تعكس سياسة إسرائيل تجاه سورية

211510

 

بالنسبة للإسرائيليين الذين يعيشون على مرمى النظر من سورية -ويسمعون قعقعة الحرب التي تستعر هناك- تمثل الحياة اليومية لهم ثنائية غريبة. ففي جانبهم من الخط الحدودي، تسير الأعمال الروتينية بنوع من شعور الجار، الذي يذكُر ناداف كاتز بإسرائيل أيام طفولته في الخمسينيات والستينيات، حيث كان السكان في هضبة الجولان قليلين جداً ومسرورين لأن يكونوا هناك معاً. وفي أحد الأيام في هذا الصيف، كان الرجل المتقاعد يعمل في حديقته بينما يداعب جار ابنه الصغير في الباب المجاور. ويقول كاتز إن الجميع كانوا يضحكون.
يقول كاتز البالغ من العمر 65 عاماً: “نحن نسمع أصوات الانفجارات. ونحن من الخبرة نعرف ماذا يعني الانفجار”. وكان الثوار السوريون الذين يسيطرون على سلسلة من القرى في السفح أسفل بيت كاتز في “موروم غولان” يشنون هجوماً على القرية الأقرب إلى الحدود. وكان المكان قد شهد انتقال السيطرة عليه مرتين في الشهور الأخيرة، حيث يسمع الجيران كل شيء.
ويقول كاتز: “من غير السار أن يعرف المرء عن ذلك، وأن يواجهه. إننا نستمر في سماع ذلك، نستمر في سماع الانفجارات. في بعض الأحيان أقرب، وأحياناً من بعيد“.
يعكس هذا التضاد موقف حكومة إسرائيل من الصراع الرهيب في سورية. فمن جهة، تنعى القدس الخسائر البشرية لحرب أهلية قتلت أكثر من 100.000 شخص في العامين ونصف العام الماضيين. وهي تفعل ما تستطيع فعله. ومن أجل معالجة الجرحى على مقربة من حدودها الأمامية، مقاتلين ومدنيين على حد سواء، أقامت إسرائيل مستشفى عسكرياً ميدانياً؛ في حين يتم نقل حالات أخرى إلى مستشفيات في عموم شمال البلد.
وفي الوقت نفسه، سارعت إسرائيل من وتيرة بناء سياج ضخم جديد لفصل نفسها عن الصراع الذي لا تريد أن تكون جزءاً منه. وقد انتهى العمل في 80 في المائة من الحاجز الذي يمتد مسافة 100 كيلومتر، والمكون من أسلاك شائكة متينة بسمك تسعة ملليمترات، بدلاً من السياج الصدئ الممزق الذي لطالما شكل العلامة لحافة الأرض المرتفعة الاستراتيجية التي أخذتها إسرائيل مرتين من سورية -أولاً خلال حرب الأيام الستة في العام 1967 الخاطفة، ثم مرة أخرى، وبكلفة كبيرة، بعد هجوم سورية المباغت في حرب تشرين الأول (أكتوبر) بعد ستة أعوام. وفي وقف إطلاق النار الذي ثبت للعقود الأربعة التالية، لم تكن ثمة حاجة لما هو أكثر من ذلك.
والآن، تطل حالة من عدم اليقين برأسها بأشكال مختلفة. فقد هرب مليونا سوري من البلد كلاجئين، ومن بين الملايين الذين جرى اقتلاعهم من جذورهم في داخل البلد، تجمع المئات على طول السياج مع إسرائيل مشكلين تحدياً إنسانياً جديداً. ومع ذلك، فإن الخوف الأكبر يكمن في القوى التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي أماطت اللثام عنها حرب كانت قد استهلت في البداية باحتجاجات سلمية. وفي بعض المناطق، بما في ذلك القرى التي تقع أسفل منزل كاتز، يرتبط الثوار الذين اصطفوا ضد الرئيس السوري بشار الأسد، وهم من الميليشيات المحلية، مع الجيش السوري الحر، والقوة متعددة الأطياف والمعتدلة نسبياً، التي بدأت إدارة اوباما بتسليحها. لكن ذلك ليس هو واقع الحال على بعد أميال قليلة إلى الجنوب.
يقول البريغادير جنرال غال هيرش من نقطة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي محفورة في داخل جانب السفح حيث تلتقي الحدود بين سورية والأردن وإسرائيل: “معظم الثوار في هذه المنطقة مرتبطون مع القاعدة”. ويعطي الشريط الدرامي الحدود القومية وضوحاً نادراً ما يوجد خارج كتب القصص: فالمنحدر الضخم إلى اليسار سوري والمنحدر الضخم بشكل مساو إلى اليمين أردني والطريق الضيق الذي ينتهي عند الصدع بينهما يفضي إلى الأقواس الأربعة للجسر الذي يعود للحقبة العثمانية حيث انتقل عشرات الآلاف من اللاجئين هرباً من القتال.
ويقول هيرش “إننا نواجه ثلاثة كيانات… القوات السورية النظامية، وحزب الله، وكل هؤلاء الأشخاص الذين هم من القاعدة بصراحة، والذين يوجدون هنا أولاً للقتال ضد نظام الأسد، ثم يريدون لاحقاً جلب الثورة الإسلامية ومقاتلة إسرائيل”. ووفق مقابلة أجرتها صحيفة “يديعوت أحرونوت” مع الجنرال يائير غولان، المسؤول عن الجبهة الشمالية، فإن الاستخبارات الإسرائيلية تقدر عدد “الجهاديين” المتواجدين حالياً في سورية بنحو 6000.
ويعد حزب الله التهديد الأكثر مباشرة. وكان إيران قد صنعت هذه الميليشيات الشيعية القوية المتركزة في لبنان لقتال إسرائيل بعد غزوها للبنان في العام 1982، لكنها قاتلت كجيش أكثر منها كميليشيات في حرب العام 2006 مع إسرائيل. وكان لانتشار قوات الحزب في سورية لإنقاذ الأسد (راعيها الآخر) عاملاً إضافياً سارع في قرار إسرائيل تشديد الحراسة على حدودها. وكانت إسرائيل قد بنت النوع نفسه من هذا السياج المنيع الجديد على طول حدودها الممتدة لمسافة 240 كيلومتراً مع مصر، من الناحية المبدئية للحؤول دون دخول المهاجرين الأفارقة إلى إسرائيل من سيناء، لكنها بنته بسرعة أكبر بعد أن أصبحت سيناء ملاذاً للجهاديين.
تتمتع إسرائيل نفسها بالهدوء، والذي طالما طاردته، على الأقل في الجولان، ذكريات الحروب الماضية. وفي عطلات مثل عطلة عيد الحصاد اليهودي، يتوجه الإسرائيليون، زرافات ووحدانا، إلى المنطقة حيث تعلم طرق المشي بمربعات بيضاء، وحيث تعلم حقول الألغام بمثلثات حمراء (وأسيجة). الجولان التي يقطنها فقط أقل من 20000 شخص، معظمهم من الدروز الذين كانوا سوريين، تبقى هذه المنطقة ذات الفضاء المفتوح في أغلبها مراعي للمواشي، بالإضافة إلى بساتين التفاح والمناحل وكروم العنب. وهي لا تبدو مثل أي مكان آخر تسيطر عليه إسرائيل: تشكيل بركاني، حيث حجارة الجولان لا تشبه الحجر الجيري الذي يحيط بالقدس؛ لأنه أسود. وتنتصب صفوف الهوائيات من فوق نتوءات والتي يشير إليها القادة بأنها “براكين استراتيجية“.
قد يكون من الصعب التمييز بين التهديدين الجديد والقديم. وقد أحضر هيرش، البريغادير الاحتياطي، مجموعة صغيرة من المراسلين الصحفيين إلى موقع إسرائيلي أسفل منزل كاتز. وكانت الأرض العشبية من حوله قد تحولت إلى السواد، ليس بسبب إحراق المزارعين للأعشاب الضارة، وإنما بفعل القذائف التي سقطت على السياج وأحرقت العشب. وعندما انطلقت أصوات نيران البنادق في البعد، شخص هيرش المصدر على أنه رماية إسرائيلية باتجاه العمق. ولكن بعد لحظات قليلة، خرج صوت قعقعة بندقية أمامنا، والذي يبدو أن الذي أطلقه سوريون في ملابس مدنية كانوا يراقبوننا بينما نراقبهم، من على سطح مبنى على بعد مئات الياردات. وكان الذي يرتدي قميصاً أزرق منهم يحمل بندقية كلاشينكوف.
يقول يارون ديكيل الذي يقف منزله الخاص في “ألوناي هاباشان”، القرية اليهودية التي تضم نحو 300 شخص وتبعد 8 كيلومترات إلى الجنوب من بيت كاتز وتقع أقرب إلى السياج: “إنه منتجع أساساً”. وديكل (37 عاماً)، المختص في الكيمياء الحيوية الذي يقول إنه رفض عرضاً من جامعة هارفارد حتى ينتقل إلى الجولان، يبدو جاداً. وفي الحقيقة، يبقى المكان هنا أكثر هدوءاً من أشدود، وعسقلان أو بئر السبع، تلك المدن الكبيرة التي تقع في مرمى صواريخ المتشددين الفلسطينيين التي تطلق من قطاع غزة. وقد سقطت هنا قذيفة واحدة -لم تنفجر- في العام الماضي. لكن صوت القتال يترك اكتئاباً وسط كيبوتز محلي حديث يدير كرماً للعنب. ويقول ديكيل: “إنه في الحقيقة أمر محزن… أناس على أحد جانبي الحدود يحتسون النبيذ، وآخرون على الجانب الآخر يقتلون بعضهم بعضاً“.
وتقول زوجته، سيسكا ديكيل: “إننا نسمع عادة صوت الريح، لكننا أحياناً نسمع صوت القنابل“.

كارل فيك (مجلة تايم)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني- الغد الاردنية
*
مسؤول مكتب مجلة تايم في القدس منذ العام 2010، وهو يغطي إسرائيل والأراضي الفلسطينية والمناطق المجاورة. كان قد عمل لمدة 16 عاماً في صحيفة الواشنطن بوست في نيروبي وإسطنبول وبغداد ولوس أنجلوس وروكفيل في ماديسون.
*
نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Life on the Golan Heights Echoes Israel’s Policy with Syria

لا يوجد تعليقات

Exit mobile version