الرئيسية زوايا أقلام واراء  موقف جنوب افريقيا من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ العام٢٠٢٣ .....

 موقف جنوب افريقيا من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ العام٢٠٢٣ ..  اعداد:  د. عـودة محمد عابـد 

 

مقدمة:

مع تعـدد الفاعليـن الدولييـن في النظام الدولي نجـد أشكالا متعددة ومتباينة للصراع، نتيجة لتعدد ظواهر الصراع، فقد تعددت وسائل وأدوات الحل حسب طبيعة الصراع، أدت مجمل هذه التفاعلات الى توافق المجتمع الدولي على صيغ عديدة من أجل تسوية الصراعات وهنا تكمن الإشكالية في الصراعات التي تقوم بها حركات التحرر للتخلص من الاستعمار، وقد خضعت دول عدة للاستعمار بمختلف أنواعه، ولكنها تحررت منه بأشكال مختلفة دموية منها وأخرى سلمية، فأغلب الدول الأفريقية عانت من الاستعمار الغربي والأبارتهيد كما يعانى الفلسطينيين، ولكن ما زال الاحتلال الإسرائيلي قابع على الأراضي الفلسطينية رغم المحاولات الكثيرة والمتعددة التي قام بها الفلسطينيين للتخلص من نير الاحتلال، سواء بالكفاح المسلح أو الانتفاضة أو من خلال تسوية سلمية من خلال مجموعة من الاتفاقيات الدولية بين الطرفين ابتداء من أوسلو 1993م، نهاية بمبادرة بايدن الأمريكية التي دعت لإقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب دولة اسرائيل والتي لم تتحقق واقعيا حتى الان، نتيجة للمتغيرات والاحداث المتسارعة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي وأهمها الحرب الشرسة الاسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة منذ السابع من اكتوبر للعام٢٠٢٣م، والتي وصفت حقوقيا وانسانيا ودوليا “حرب الإبادة الجماعية” على المدنيين الفلسطينيين الابرياء بقطاع غزة المحاصر والمنكوب، هذه الحرب التي اودت بحياة عشرات الآلاف من الضحايا والقتلى الفلسطينيين، ومئات آلاف الجرحى والمصابين من المدنيين الابرياء، وهدم وتدمير عشرات آلاف المنازل والبيوت، إضافة لتدمير الشوارع  والبنية التحتية والمؤسسات المدنية بهذا القطاع المنكوب، اتخذت هذه الحرب مواقف متباينة بين مؤيد لإسرائيل بحقها في الدفاع عن نفسها من أي هجوم ارهابي عليها، وبين ومعارض يعتبر تلك الحرب ابادة جماعية على المدنيين الابرياء في قطاع غزة نتيجة لقوة وفظاعة الرد الاسرائيلي على هذه الهجمات التي حدثت في السابع من اكتوبر من العام ٢٠٢٣م، تلك معركة طوفان الأقصى أو حرب السيوف الحديدية أو الحرب الفلسطينية الإسرائيلية أو الحرب الإسرائيلية على غزة أو العدوان الإسرائيلي على غزة هي حرب مستمرة بين فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس من جهة وبين الجيش الإسرائيلي من جهة أخرى. بدأت بعد هجوم منسَّق ومُفاجئ شنَّته حركة حماس على إسرائيل والذي أسمته بعملية طوفان الأقصى في صباح يوم السبت (7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 م) الموافق (22 ربيع الأول 1445 هـ) وذلك بإطلاق ما لا يقلُّ عن 3000 صاروخ من قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس باتجاه إسرائيل. بالموازاة مع اختراق حوالي 2500 مسلَّح فلسطيني الحاجز بين غزة وإسرائيل بِشَنِّهِم لهجوم عبر السّيارات رُباعيّة الدّفع والدّراجات النّارية والطّائرات الشّراعيّة وغيرها على البلدات المتاخمة للقطاع، والتي تُعرف باسم غلاف غزة، حيث سيطروا على عددٍ من المواقع العسكريَّة خاصة في سديروت، ووصلوا أوفاكيم، واقتحموا نتيفوت، وخاضوا اشتباكاتٍ عنيفة في المستوطنات الثلاثة وفي مستوطنات أخرى كما أسَرُوا عددًا من الجنود والمواطنين واقتادوهم لغَزَّة فضلًا عن اغتنامِ مجموعةٍ من الآليَّات العسكريَّة الإسرائيليَّة. أدَّى الهجوم إلى مقتل ما لا يقل عن 1400 إسرائيلي بما في ذلك 260 شخصًا في مهرجان رعيم الموسيقي.                                                            شهدت هذه المرحلة درجة عالية من التنسيق والتضامن الدولي في العديد من القضايا من أهمها انهاء حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين، وانهاء الاحتلال، والدعم السياسي الذي قدمته جنوب افريقيا ضد الحكومة الاسرائيلية في محكمة الجنايات الدولية والمحافل الدولية، بارتكابها ابادة جماعية ضد المدنيين الابرياء بغزة، وهكذا يمكن أن يقال إن ازدهار العلاقات الفلسطينية مع جنوب افريقيا قد شهدته أواخر عقد الستينيات من القرن الماضي، بالإضافة إلى عقدي السبعينات والثمانينات، حتى وصلت العلاقة إلى التوافق الضمني، إعلاميا وسياسيا وتضامنيا، حيث وصفت العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والجنوب إفريقي، بالشراكة النضالية، أكدتها جملة الراحل الأممي الكبير نيلسون مانديلا في منتصف التسعينات، حينما قال إن حرية جنوب إفريقيا ستبقى منقوصة ما لم تحصل فلسطين على حريتها، فيما قال الرئيس الأسبق جاكوب زوما عام 2010، إننا والشعب الفلسطيني كنا نقاتل سويا، ان جمهورية جنوب افريقيا الصديقة ما زالت تدعم وتساند القضية الفلسطينية، وتدعم الشعب الفلسطيني وحقوقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، يكمن هذا الدور المساند في التأثير المهم في رفض المجازر وحرب الابادة ضد الفلسطينيين في غزة وباقي الاراضي الفلسطينية المحتلة ورفض الوجود الإسرائيلي على الاراضي المحتلة.

أولا: موقف جمهورية جنوب افريقيا من حرب السابع من اكتوبر عام٢٠٢٣م، على غزة.

كان للحرب تداعيات دولية كبيرة، فقد اندلعت احتجاجات كبيرة في جميع أنحاء العالم، معظمها مؤيدة للفلسطينيين تطالب بوقف إطلاق النار وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، بدأت جنوب أفريقيا إجراءات أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة. وتلقت إسرائيل دعما كبيرًا من حلفائها الغربيين التقليديين، وأبرزهم الولايات المتحدة التي قدمت لإسرائيل مساعدات عسكرية واسعة النطاق طوال الحرب، والتي استخدمت حق النقض (الفيتو ضد العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لوقف إطلاق النار.

ونددت 44 دولة على الأقل بالهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل مُنَدِّدَةً صراحة بسلوكها ووصفته بـ”الإرهاب”، بما في ذلك بيان مشترك صدر عن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وهي دول تصنف حركة حماس على أنها حركة إرهابية. دعت دول الشرق الأوسط، في المقابل إلى وقف التصعيد ونددت بالاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود للأراضي الفلسطينية باعتباره السبب الجذري. كما حذرت إيران من أنه إذا لم توقف إسرائيل الحرب في غزة على الفور، فإن العديد من الجبهات الأخرى في الحرب ستفتح وستتعرض إسرائيل لـ «زلزال ضخم»، كما هددت بالتدخل إذا شنت إسرائيل غزوا بريا على غزة. ومنذ 8 أكتوبر، كان هناك تبادل مستمر لإطلاق النار بين قوات حزب الله والقوات الإسرائيلية بعد أن أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل من لبنان وردت إسرائيل بغارات جوية على جنوب لبنان. كما نشرت الولايات المتحدة مجموعتين قتاليتين من حاملات الطائرات في شرق البحر الأبيض المتوسط، وأعلنت المملكة المتحدة أنها سترسل سفنا حربية وطائرات، وبدأت ألمانيا في تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل. في نفس الوقت سقط عدد كبير من القتلى بين المدنيين، واتهمت لجنة من المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة، إلى جانب جماعات حقوق الإنسان، كلاً من إسرائيل وحماس بارتكاب جرائم حرب. وقعت في 29 فبراير 2024 مجزرة ارتكبتها القوات الإسرائيلية، والتي سميت «مجزرة الدقيق»، وأدت لمقتل أكثر من 110 فلسطيني وإصابة المئات بعد أن فتحت النار على حشود ضخمة كانت تنتظر لإستقبال لمساعدات الإنسانية من قافلة مساعدات.

كما ان جنوب إفريقيا تعد بتقديم أدلة تثبت ارتكاب إسرائيل لجريمة الإبادة الجماعية في فلسطين، افادت رئاسة جنوب إفريقيا إنها ستقدم مذكرة إلى محكمة العدل الدولية الشهر المقبل موثقة  وأدلة تثبت ارتكاب إسرائيل لجريمة الإبادة الجماعية في فلسطين، كما توافق العرب على دعم هذه الدعوى. وأكدت الرئاسة، في منشور على موقعها الرسمي، أن هذه القضية ستستمر إلى أن تصدر المحكمة حكمها، معربة عن أملها أن تلتزم إسرائيل بالأوامر المؤقتة التي أصدرتها المحكمة حتى الآن, وكان موقع “أكسيوس” الإخباري قد ذكر أن الخارجية الإسرائيلية أرسلت برقية سرية إلى سفارتها في واشنطن، وإلى جميع القنصليات في الولايات المتحدة، بشأن دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.

وبحسب الموقع فإن البرقية طالبت السفارة والقنصليات بالعمل فورا مع المشرعين والحكام والمنظمات اليهودية للضغط على جنوب أفريقيا لتغيير سياساتها تجاه إسرائيل. ونقل موقع “أكسيوس” عن البرقية أن إسرائيل تمارس أيضا ضغوطا على أعضاء في الكونغرس الأميركي، كما تم توجيه الدبلوماسيين الإسرائيليين إلى الطلب من أعضاء الكونغرس والمنظمات اليهودية في الولايات المتحدة التواصل مباشرة مع الدبلوماسيين الجنوب إفريقيين في الولايات المتحدة وتوضيح أن جنوب إفريقيا ستدفع ثمنا باهظا إذا لم تغير سياستها. بالتوازي مع ذلك، شهد اجتماع وزراء الخارجية العرب أمس الثلاثاء في القاهرة توافق دول عربية على التدخل رسميا لدعم الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وأفاد البيان الختامي لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب “بتوافق الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 على التدخل رسميا لدعم الدعوى المرفوعة من قبل جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية”.

ولجأت جنوب إفريقيا في نهاية ديسمبر الماضي إلى محكمة العدل الدولية وتقدمت بشكوى تتهم فيها إسرائيل بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية المبرمة عام 1948 في هجومها على قطاع غزة.

ثانيا: مستقبل العلاقة بين جمهورية جنوب أفريقيا وفلسطين.

يمكن توقع تصورات مستقبلية للعلاقة بين فلسطين وجنوب أفريقيا في المدى المنظور، تكاد أن تدلى بها تطورات الأحداث عبر مراحل العلاقات التي تناولناها انفا، والتصورات هي:

التصور الأول: يتمثل في الامتداد المنطقي للتطورات الراهنة للعلاقات الفلسطينية مع جنوب أفريقيا، التي تم رصدها في هذا المقال، فاذا استمر النمط الحالي لهذه العلاقة على ذات الوتيرة والعمق، من دعم ومساندة وتأييد للقضية الفلسطينية من قبل جنوب أفريقيا بدوافع عديدة، فان التصور السائد سيبقى الدعم المستمر والدائم من قبل جمهورية جنوب افريقيا للقضية الفلسطينية.

التصور الثاني: والذي يتمثل بالسياسة الخارجية لجمهورية جنوب افريقيا تجاه القضية الفلسطينية، وتتمثل تلك السياسة بالمحددات الداخلية والخارجية لتلك الدولة، في التصور الواضح بأن المحددات الداخلية مؤثرة في صالح القضية الفلسطينية نتيجة تشابه النضال المشترك من معاناة وعنصرية واستيطان لكلتا القضيتين، كما أن المحددات الخارجية تؤثر على صانع القرار للسياسة الخارجية لجنوب افريقيا، فتأييد الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل في المحافل الدولية واعتراضها على القرارات المقدمة لصالح فلسطين ما هو الا اانحياز كامل لإسرائيل، فهذا الموقف وفق المحددات الخارجية تؤثر على سياسة جنوب افريقيا تجاه القضية الفلسطينية بالإيجاب والإصرار من قبلها بالتمسك والدفاع عن الحقوق الفلسطينية المسلوبة.

التصور الثالث للعلاقة: أما التصور الأخير لعلاقة جنوب أفريقيا بفلسطين، نحو القرارات والمشاريع المقدمة من الجانب الفلسطيني في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية والمؤسسات ذو الشأن، قد تحضي بالتأييد والمناصرة والمساندة من قبل جنوب أفريقيا لفلسطين، طبقا لذات الوتيرة، فعلى صعيد التسوية الفلسطينية سوف تتخذ دولة جنوب أفريقيا دور المناصر بل الملتزم تجاه فلسطين، لذا مستقبل العلاقة بين الدولتين الصديقين ستبقي واضحة المعالم من دعم ومساندة للحقوق الفلسطينية حتى تقرير المصير.

يحتفظ الباحث بالمراجع والتوثيق..

باحث بالعلوم السياسية، شؤون افريقية.

Exit mobile version