في 28 أيلول تتزاحم محطات ثلاث من تاريخ البؤس العربي: الانفصال في الوحدة المصرية السورية في العام 1961، ومجازر أيلول الأسود في الأردن في العام 1970، وتصفية وجود الثورة الفلسطينية في الجزء الأخير من جغرافيتها وديموغرافيتها، ووفاة جمال عبد الناصر وهو يحاول إنقاذ ما بقي من أخوة وتضامن.
كان الانفصال انقلاباً سلطوياً لا حركة شعبية، وخطوة أساسية في الطريق إلى إضعاف المواجهة مع إسرائيل وهزيمة حزيران 1967. وكانت مجازر الأردن الخطوة الأساسية لفصل الثورة عن بيئتها المباشرة وإنهاء مفاعيل معركة الكرامة عام 1968. وكان غياب عبد الناصر انطواء للمشروع العربي في ركائزه: الكرامة العربية، الوحدة، التنمية، والتحرير. هذه التعابير التي استعادتها الثورة المصرية الراهنة بأشكال مختلفة، تجلّت في رفض التبعية والثقافة الظلامية والتأكيد على الحرية للوطن والمواطن.
كانت ثورة 23 يوليو 1952 كذلك ثورة من دون إيديولوجيا أو حزب أو برنامج متكامل. صارت ثورة بالتجربة والخطأ بفعل قائد كان متصلاً بروح شعبه وتاريخ بلاده ومدركاً للتحديات والمهمات. نشأت فكرة الثورة في معركة الفالوجة (في فلسطين) على فساد الحكم الملكي وتبعيته للغرب وعدم جديته في الدفاع عن أمن مصر القومي. كسر عبد الناصر ليس الحكم الملكي التقليدي الفاسد بل ثقافة الخضوع. هو القائد الذي خاطب شعبه مستهلاً بنداء مختلف: «أيها الإخوة المواطنون». إخوة في المواطنة، وإخوة في العروبة، وإخوة لاحقاً في مواجهة الاستعمار في الدوائر الثلاث: العربية والآسيوية والأفريقية ومن ثم الإسلامية فالعالمية في كتلة عدم الانحياز. وهو القائد الذي مهما قيل في إلهابه المشاعر النبيلة العربية كان بسيطاً واضحاً في الصراع: «نصادق مَن يصادقنا ونعادي من يعادينا». كان عبد الناصر ينشد صداقة العالم في سبيل شعبه فإذا به لهذا السبب يتحوّل إلى عدو أول للغرب، ومنافس كبير لكثيرين في الشرق، ورمز «للقومية العربية» التي كانت الشغل الشاغل لقوى الهيمنة العالمية وكانت تريد تحطيمها.
كان عبد الناصر باعث نداء العروبة الذي خضّ جميع البلدان والشوارع. كانت عبارة «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل» أقوى من كل آبار النفط ومن الإسلام السياسي الذي نفخ فيه الإنكليز روح المواجهة مع العروبة ومع عبد الناصر حتى محاولة اغتياله. كانت عروبة عبد الناصر متفوقة على التلاعب بالمشاعر الدينية للشعب، لأنه طرح العروبة كما تكوّنت في وجدان العرب في مواجهة الاحتلال والسيطرة على الثروات القومية وإعاقة التطور الاجتماعي. وعروبة لم تقصِ ديناً أو مذهباً بل فتحت لأول مرة رحاب الأزهر لإسلام متعدد فقهياً فأفتى بشرعية المذهب الشيعي ومذاهب إسلامية أخرى. لم يصادر عبد الناصر لبنان ولم يعزل فئة من مكوّناته بل تعامل معها جميعاً وحفزها على التعاون في ظل الاستقلال. لم ينشئ حزبه العربي ولا ميليشيات ترعرعت في نعمه. لم صادر قضية فلسطين بل كان أول من دعم شخصية الشعب الفلسطيني السياسية وساهم في تكريس شرعية تمثيلها عربياً ودولياً. دعم ثورتي اليمن والجزائر ولم يفبرك لها قيادات. فشل عبد الناصر بسبب أخطاء كثيرة ومهمة، لكنه لم يكن قد استنفد حركة التصحيح والنهوض عندما اجتمعت عليه قوى الثورة المضادة في العالم العربي والغرب، وعندما كان يواجه منافسات لفظية ومشاريع تطرفت في المزايدة تبريراً لشرعيات سلطوية انتهت إلى نقيض ما كانت تدّعيه.
عاشت الناصرية مع التاريخ العربي لا في حزب ولا قائد ولا جماعة أو إيديولوجيا. هي بالنسبة لجيل من العرب أساسيات ترسم حدود الهوية الإيجابية لشعوب المنطقة. لا للاستعمار والتبعية، لا للتفريط بحقوق شعب فلسطين، لا للتراجع عن التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. أخطأت الناصرية في الوسائل، افتقدت الناصرية أدواتها الفاعلة، قبضت على السلطة حتى صارت حلقة ضعيفة يسيطر على المجتمع والدولة من يسيطر عليها. لم تلغ الناصرية ما قبلها ولا الإرث التاريخي لمصر وللعرب، ولم تحتكر ذاكرة الناس أو تعتدي على وجدانهم. كانت أقرب ما يكون إلى فطرتهم، وأرحب ما يكون في فهم خصوصياتهم. جنحت إلى ضبط المجتمع ولم تغيّر عقيدته. صارعت، حاربت، واجهت، خاصمت، أقصت تيارات سياسية، وقعت أسيرة البيروقراطية والنخبة التي كوّنتها، لكنها لم تنشئ عائلة مالكة ولا سلالة حاكمة أو أسرة وراثية، وأهم من ذلك لم تخلخل بناء الدولة الراسخ.
أضافت الناصرية الكثير أو القليل في المنجزات المادية، لكنها بدّلت الكثير في مفهوم الحرية لدى شعب كانت تهمّشه السياسات السابقة. الدولة والمؤسسات والجيش والقضاء والتعليم والمصانع وغيرها ظلت جزءاً من ثروة الشعب يمكن تصحيح مسارها وتطوير أدائها، وعروبة مصر لم تعد قابلة للتلاعب بالمعنى الثقافي أو السياسي. هذه المعاني هي التي تعرضت للاغتيال في انفصال 1961 وهزيمة 1967، وفي مجازر الأردن ضد الشعب الفلسطيني ومن ثم في وفاة عبد الناصر.
السفير اللبنانية.