بينما ينشغل الرأي العام العالمي والمتابعين السياسيين بما يدلي به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تصريحات يومية لا تخلو من الاملاءات والتهديد ومجاراة نتنياهو واحتلال الرأي العام وبصرف النظر عن أفعال وتحديات ووقائع حقيقيّة، أو فتح الباب للتفاوض تحت غطاء ناريّ توفره تصريحاته العنجهية وترسم صورة المشهد المقبل الذي هو أهم عناصره حيث تعيش المنطقة في قلب توازنات ومعادلات يصعب إنكارها.
الاعلام الإسرائيلي في الفترة الأخيرة اعتاد تكرار مقولة استنساخ سيناريو الحرب الصهيونية في غزّة إلى الضفة الغربية، لا سيّما المناطق الشمالية منها، والتي تتعرّض لعدوان عسكري مكثف منذ أسابيع. وخاصة في محافظات طوباس، جنين، طولكرم، وبعض مناطق نابلس، ما أدى إلى إخلاء مخيمات جنين والفارعة وطولكرم ، ونور شمس من سكانه، بهدف تدميرها وجعلها غير صالحة للحياة كمجتمعات للاجئين الفلسطينيين حافظت خلال سنوات الهجرة على الوحدة السكانية وعلى رمزية حق العودة بما في ذلك دور الأنروا في تقديم الخدمات ، واللجان الشعبية المنتخبة تحت مظلة دائرة اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية ، تدمير هذه الرمزية وإلحاق المخيمات في بلديات المدن وإنهاء دور الانروا فيها هو المقدمة الأخطر ليس فقط في اهاء الانروا وإنما بضرب حق العودة كحق سياسي جماعي وفردي.
إضافة الى قيام جيش الاحتلال العمل في الجنوب على بناء مستوطنات جديدة في بيت لحم والخليل، وهو ما تم بالتوافق ما بين الحكومة والمؤسسة الأمنيّة الصهيونية على نحو مبرمج مسبق .
وبحسب ما كشفت صحيفة هآرتس، جاء هذا أيضاً نتيجة ممالأة ضغوط المستوطنين. ففي قراءة الصحيفة من الصعب عدم رؤية تأثير المستوطنين الذين دعوا باستمرار إلى إعلان الحرب على الضفة، مع التشديد على خطر حدوث سيناريو شبيه بهجوم 7 أكتوبر (2023) في “غلاف غزّة”، في المستوطنات والمدن بوسط إسرائيل. وقد أرسل في كانون الأول الماضي زعماءُ مجالس المستوطنات في الضفة الغربية رسالة إلى أعضاء الكابينت يطالبونهم فيها بتغيير استراتيجيتهم في الضفة إلى ناحية “تهجير سكان المناطق، وخصوصاً مخيمات اللاجئين”. ولاحقاً، طالبوا بتفكيك البنى التحتية “الإرهابية”، تماماً مثلما حدث في قطاع غزّة “!
يأتي ذلك بالتزامن بعد فشل الاحتلال في تحقيق أهداف الحرب، رغم ما توافر الشروط والدعم اللامحدود من اميركا للفوز, سواء لإطالة مدة الحرب أو لجهة التوحّش والإجرام في خوض الحرب واستهداف المدنيين، وما نتج عنها على مستوى الوضع الداخلي في الكيان وفي قدرة جيش الاحتلال على خوض الحروب البرّية وفي كفاءة القبة الحديديّة وفي سمعة الكيان وصورته في الرأي العام الغربي، ما يتكفّل بجعل أي حرب مقبلة أقل قدرة على تحقيق الأهداف التي فشلت هذه الحرب في تحقيقها.
ما يعني وفق ما اشارت اليه صحيفة “البناء اللبنانية ” في ولادة معطى استراتيجي جديد وهام جوهره سقوط خيار حل القضية الفلسطينية بالقوة العسكرية والإقرار بسقوط الخيار العسكري وبالتالي اعترافاً بالحاجة لفتح مسار الحل السياسي، أي القبول بقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، في ظرف سياسي محكوم بحدوث تحول تاريخي داخل الكيان، حيث فعلت الأسباب الديمغرافية والعقائدية الصهيونية والحروب الفاشلة وتعاقب الأجيال السياسية والدينية، فعلها لإنتاج «إسرائيل» جديدة تقودها مفاهيم الاستيطان في جغرافيا الضفة والقدس، ما يجعل وجود نخبة سياسية إسرائيلية تنفتح على الحل السياسي ومشروع الدولة الفلسطينية شبه استحالة.
ويؤشر توسيع الأمريكي دعمه اللامحدود لكيان الاجرام إلى محاولات الأعداء ترميم انكساراتهم، وفرض معادلات لم يتمكنوا من فرضها في ميادين المعارك، فكلما زاد التسعير العدواني وزاد الحطب الأميركي في مرجل العدو الإسرائيلي، زاد يقيننا باتساع الهوة التي تفصل بين ما تريد فرضه أميركا و”إسرائيل” وبين الواقع المعاكس للرغبات الصهيو أميركية الذي تثبتت خرائطه بمنطقتنا بمداميك التحالفات الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة تدرك أن ميزان القوى العالمية بدأ يتعدل إعوجاجه بثقل نوعي لروسيا والصين وأن ساعات المنطقة تدور عكس العقارب الأميركية لذلك ترى أن نجاة المشروع الصهو أميركي في تأجيج الحرائق وتعزيز غرز المسمار الإسرائيلي في جدار المنطقة، وإعادة تفجير الأوضاع بأحزمة التعديات ونزع الاستقرار.
واضح أن إسرائيل تستثمر بفشلها مرة أخرى تحت غطاء وقف إطلاق النار، وحالة الهستيريا التي تعتري الكيان في إبادته الجماعية لغزة والضفة الغربية وعدوانها المتكرر على المنطقة تفسح خدعة مسودة وقف إطلاق لها مجالاً واسعاً فحالة العبثية من تحقيق هدف واحد لنتنياهو باتت مدججة بتصعيد العدوان المدعوم غربياً، ومن الواضح أن الغائب الأكبر هي القوانين والشرعية الدولية وربما الجنازة الكبرى التي نشهدها اليوم في المنطقة هي للقانون الدولي الذي لا تهتز له قصبة لدم الأبرياء، نساء وأطفالاً وخدج، ولا حتى لاستهداف إسرائيل لبعثات قوات حفظ السلام الدولية ومفوضيات ووكالات اللاجئين والمقرات الدبلوماسية التي يستهدفها نتنياهو بحرية.
ولهذا لا تبدو في الأفق فرص تسويات كبرى أو حروب كبرى، خاصة ان التسويات لا تجد شريكا في” إسرائيل” وأميركا انهت دورها كوسيط منذ زمن بعيد وتحولت لدور الشريك، والحروب الكبرى لا توجد قوة عسكرية إسرائيلية كافية لخوضها وضمان الفوز بها، ولعل هذه هي البيئة النموذجية للفوضى السياسية والأمنية، إذا غابت الخيارات العربية والإسلامية الجدية التي تستعيد مرحلة سابقة قال عنها الكاتب البريطاني ديفيد هيرست إنها مرحلة الملك فيصل واستخدام سلاح النفط.
معركة الضفة قد تتحول إلى أم المعارك، والاحتلال قبل محاولة إبادة غزة يضع الضفة الغربية على قائمة أولوياته فمعركته مصيرية فيها، لكن حاله في غزة أثار قلقه من فشل آخر في الضفة التي تحوي تراثاً كبيراً في مقاومة الاحتلال.
الضفة اليوم ساحاتها مشتعلة ورويداً رويداً تتحول إلى ساحة ثانية غاية في الشراسة والمقاومة ضد طغيان الاحتلال، وهذا أمر يكسر حلقات القوة ويقود “إسرائيل” على كافة الأصعدة إلى الدرك الأسفل من الهاوية.
الطلقة الأخيرة ربما في جيب الاحتلال هي الإطاحة بنتنياهو، واستبدال رئيس حكومة الإبادة وشركائه بمن هم أكثر “عقلانية” لإنجاز صفقة شاملة ووقف الحرب على غزة والضفة، فـ “إسرائيل” أمام دوامة وجودية وقد تصل قريباً إلى نقطة اللاعودة.
الضفة الغربية فيها من المقاومة ما يرهق جيش الاحتلال وهي تغلي كالمرجل، والاحتلال يصب الزيت على النار ويصعد اقتحاماته للمخيمات والبلدات، وهو يدرك أنه يتحرك على أرض بركانية سيغرق في حممها.
فالضفة الغربية اليوم تشبه برميل البارود الكبير، والاحتلال بحماقته يسعى إلى تفجيره، ولن يكون بمقدوره تحمل لتبعات الكبيرة التي ستنجم عن انفجاره، مع إصراره على العدوانية التي تقابلها وتتحداها بقوة عزيمة الفلسطيني على كامل الأراضي المحتلة وستقلب حسابات الكيان وتدفعه الى الإقرار بالإفلاس والفشل والهزيمة.