الرئيسية الاخبار المحور الخليجي – الأميركي يتحول «حلقة دفاع» عن إيران

المحور الخليجي – الأميركي يتحول «حلقة دفاع» عن إيران

بقلم: تسفي برئيل /تعود الرئيس دونالد ترامب على استخدام حسابه على شبكة “اكس” من أجل إخبار العالم كيف ينوي الظهور، وأي قرارات مصيرية اتخذها ضد حلفائه في أوروبا، وأمام كندا والمكسيك أيضا. التقدير هو أن ترامب يعرف أيضا كيفية استخدام البريد الإلكتروني. ورغم ذلك قرر الرئيس تبني قناة دبلوماسية قديمة، فبعث رسالة إلى الزعيم الأعلى في إيران، علي خامنئي. مثلما في الكثير من الخدمات البريدية تأخرت رسالة الرئيس أيضا  بضعة أيام قبل إعطائها إلى المبعوث، ويومين آخرين قبل وصولها إلى يد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، ومنه لخامنئي.
الأمور المهمة في الرسالة لخصها ترامب لجمهور مستمعيه العالمي ببضع كلمات، أوضح فيها “فنان الصفقات” بأنه يفضل إجراء المفاوضات مع إيران، وأنه من الأفضل لها تبني اقتراحه، وإلا فهي ستتعرض للرد العسكري. سارع خامنئي إلى الرد على التهديد حتى قبل قراءة الرسالة، وقال، إن إيران لن تجري أي مفاوضات مع “إدارة بلطجية”، وإنه ضد التهديدات الأميركية، وإن إيران يمكنها الرد بضربة خاصة بها. قبل أيام نشرت بعثة إيران في الأمم المتحدة بياناً يقول، إن “إيران يمكنها فحص إجراء محادثات حول إمكانية تحويل مشروعها النووي إلى مشروع عسكري. ولكن إذا كان القصد هو أن يؤدي ذلك إلى تفكيك المشروع النووي للأغراض السلمية فإن هذه المفاوضات لن تجري في أي يوم”. كما هو سائد، خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء. كانت هذه طبيعة الحوار السابق، في حين لم يتم تسلم جواب رسمي على رسالة ترامب بعد.
يوم الثلاثاء، كان هذا هو الرئيس مسعود بزشكيان، الذي حدد نغمة الحوار السياسي. ففي الخطاب الذي ألقاه وجه أقواله لترامب: “في الوقت الذي تهددني فيه لا أريد إجراء المفاوضات معك. افعل ما تريد”. ولكن بزشكيان، الذي دفع منذ بداية رئاسته إلى إجراء حوار مع الولايات المتحدة من اجل التوصل إلى رفع العقوبات، هو رئيس خائب الأمل، والقرار حول سياسة بلاده ليس في يده. بعد سبعة اشهر في هذا المنصب، التي بدأت بدعم كامل من خامنئي، وجد نفسه أمام برلمان مشاكس عزل وزير اقتصاده، واتهمه بإهمال الاقتصاد. نائبه للشؤون الاستراتيجية، جواد ظريف، أُجبر على الاستقالة          بـ”توصية” من رئيس جهاز القضاء؛ لأنه حسب القانون، الشخص الذي له قرابة شخصية مع الغرب لا يمكنه أن يعمل في وظائف رفيعة، وأولاد ظريف ولدوا في أميركا ولديهم جنسية مزدوجة.
يواجه بزشكيان تقريبا الانتقاد اللاذع من المحافظين والإصلاحيين، ويواجه أيضا أزمة اقتصادية شديدة متفاقمة، وتثير في إيران القلق من اندلاع جديد للاحتجاجات والتظاهرات.
مع قيادة تتحدث بعدة أصوات فإن إيران، مثل كل دول العالم، تجد صعوبة في معرفة إلى أين يسعى ترامب. هل يجب عليها أن تخاف من أنها ستكون ضحية المصالحة بين ترامب وبوتين، كما حذرت قبل شهر وسائل إعلام إيرانية؟ وهل اللقاءات التي جرت بين وفد الولايات المتحدة والوفد الروسي في السعودية وزيارة رئيس أوكرانيا زيلينسكي في الرياض تشير إلى تغير استراتيجي سيجبر إيران على إعادة فحص قوة السور الدفاعي السياسي، الروسي والصيني، الذي يحيط بها؟ وكيف تلائم بين تصريحات ترامب، الذي “يفضل المفاوضات على قصف إيران”، وبين التهديد الجديد بضربها إذا لم تجلس على طاولة المفاوضات؟
الرد الأول الذي خرج، الخميس الماضي، من الكرملين على اقتراح ترامب جاء من يوري أوشكوف، مساعد بوتين الذي شارك في المحادثات في السعودية. “وقف إطلاق النار سيعطي لأوكرانيا فرصة لإعادة التنظم، وهو لا يفيد روسيا”، قال أوشكوف. ظهرت هذه الأقوال إشارة لنهاية مبادرة ترامب، وكان يمكن أن تهدئ إيران، لكن بعد بضع ساعات من ذلك، في مؤتمر صحافي عقده في الكرملين مع رئيس روسيا البيضاء، الكسندر لوكشنكو، بعث بوتين بالتحديد روح الحياة في وقف إطلاق النار عندما قال، “نوافق على اقتراحات وقف النشاطات العدائية، ولكننا نواصل على أساس حقيقة أن وقف النار يجب أن يؤدي إلى سلام بعيد المدى، يزيل الأسباب الأصلية التي أدت إلى الأزمة”.
يحتاج تفسير مفهوم “الأسباب الأصلية” إلى الانتظار إلى حين التوصل إلى وقف إطلاق النار، هذا إذا تم التوصل إليه، والى آلية المفاوضات التي ستأتي في أعقاب ذلك. في الوقت ذاته، إيران لا يمكنها الاكتفاء بالجلوس على المنصة وانتظار انتهاء أو انهيار المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا. يجب عليها الاستجابة إما إلى دعوة ترامب الجلوس على طاولة المفاوضات أو الاستعداد للحرب.
الأوراق، التي بقيت في يد إيران من اجل اتخاذ قرار استراتيجي كهذا، ليست مؤثرة كما يبدو. لم يبق الكثير من “حلقة النار” التي أقامتها من اجل الدفاع عن نفسها من هجمات إسرائيل وأميركا. “حزب الله” ما زال يمكنه المس بإسرائيل، لكن لبنان، الذي يحاول ترميم نفسه وبدأ في إجراء مفاوضات مع إسرائيل حول ترسيم الحدود البرية، يمكن أن يظهر كابحا ناجعا أمام استئناف “حزب الله” العمليات العسكرية. وسورية، التي شكلت بالنسبة لإيران مسارا لوجستيا حيويا وقاعدة متقدمة لقواتها، تحولت في ظل أحمد الشرع إلى دولة عدوة لإيران. يبدو أن قدرة إيران على أن تحدث في سورية حربا أهلية جديدة، أو القيام بثورة مضادة بقيادة بقايا نظام الأسد، محدودة جدا. تخضع الميليشيات الشيعية في العراق لضغط الحكومة العراقية لنزع سلاحها والاندماج في الجيش العراقي. وما زال الحوثيون يشكلون خطرا، لكنه لا يمكن أن يردع هجوماً على إيران.

مصالح مشتركة
فحص قوة الردع، التي بقيت لـ”حلقة النار”، يعطي فقط صورة جزئية لوضع تهديد إيران. فهو لا يأخذ في الحسبان قدرة إيران على تهديد جيرانها العرب، والمس بآبار النفط، وحقول الغاز لديها، ووقف حركة الملاحة في الخليج الفارسي، وهكذا أيضا التسبب بأزمة طاقة عالمية. يبدو أن هذا التهديد بالذات هو الذي يضع في أيدي دول الخليج أداة ضغط حقيقية لمنع الحرب ضد إيران. وهذا يخدم “حلقة النار”. هذه الدول جميعها أعضاء في النادي “المؤيد لأميركا”، وفي الوقت ذاته، لديها علاقات دبلوماسية كاملة مع إيران (دولتان من بينها، الإمارات والبحرين، وقعتا على اتفاقات مع إسرائيل). هذه الدول توجد لها سياسة علنية تعارض الحرب ضد إيران بسبب النتائج التي ستقع عليها، وعلاقاتها مع طهران تنبع من هذه الرؤية.
بدأت الإمارات في تحسين علاقاتها مع إيران في العام 2019، وفي آب 2022، بعد ثمانية اشهر على مهاجمتها بالصواريخ والمسيرات الحوثية استأنفت العلاقات مع طهران. استأنفت السعودية علاقاتها قبل سنتين، والبحرين بعد سنة من ذلك. هذه الدول تم التخطيط لها لتكون شريكة في حلف الدفاع الإقليمي ضد إيران، الذي كان من شأن إسرائيل أن تنضم إليه. في الوقت ذاته، رفضت حتى الآن الدعوة للانضمام إلى التحالف العسكري الذي أقامته الولايات المتحدة في البحر الأحمر، ويوضح زعماؤها باستمرار بأنهم لن يجعلوا أراضيهم قاعدة انطلاق للهجمات ضد إيران.
تستند هذه الاستراتيجية أيضا إلى نسيج متشعب لمصالح اقتصادية. الإمارات هي الشريكة التجارية الأكثر أهمية لإيران في الشرق الأوسط، مع حجم تجارة يبلغ 25 مليار دولار، ووهناك تطلع إلى توسيعه في هذه السنة إلى 30 مليار دولار. يعيش حوالى نصف مليون إيراني في هذه الدولة، التي يعيش فيها حوالى 11 مليون شخص، بينهم فقط مليون ومئة ألف مواطن اصلي. وتعمل اكثر من 7 آلاف شركة إيرانية بأحجام مختلفة في أبو ظبي. وحجم الاستثمارات الإيرانية في هذه الدولة يقدر بعشرات مليارات الدولارات. ليس بالصدفة أن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لحاكم الدولة، محمد بن زايد، هو الذي تم اختياره لنقل رسالة ترامب إلى إيران. قرقاش، الذي أجرى المفاوضات حول استئناف العلاقات بين طهران وأبو ظبي، قام في بداية الشهر بزيارة طهران، والتقى وزير الخارجية في محادثات تركزت، ضمن أمور أخرى، حول إمكانية الدفع قدما بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
حجم التجارة بين السعودية وإيران أقل بدرجة كبيرة، لكن الدولتين تناقشان بشكل مستمر توسيعها وحول التعاون الأمني بعد اللقاء بين رئيس الأركان السعودي، فياض الرويلي، ونظيره الإيراني في تشرين الثاني. اختيار السعودية دولة تستضيف لقاءات الوفود الأميركية والروسية، وبعد ذلك المحادثات مع البعثة الأميركية، وإرسالية البريد الإلكتروني إلى إيران، التي ألقاها على الإمارات، من شأنها أن تشير إلى الدور الذي يخصصه الرئيس لدول الخليج في إدارة المفاوضات مع إيران، التي تستند كما يبدو إلى اعترافه بقدرتها على التأثير في سياستها.
أظهر ترامب في السابق المرونة أمام ضغط الدول العربية، لا سيما الدول الغنية من بينها التي تضخ مليارات الدولارات في اقتصاد أميركا، وفي حالة السعودية فقد تعهدت باستثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة في فترة ولايته. وتراجعه عن فكرة تهجير سكان غزة، مثلا، لم يأت بعد محادثات صعبة أجراها مع ملك الأردن والرئيس المصري. فقد ألقى جانبا قرار الجامعة العربية. كانت هناك حاجة إلى تجنيد السعودية والإمارات لاستكمال خطواته. هاتان الدولتان هما اللتان يمكن أن تشكلا معا مع ترامب خطة “الجزرة” التي سيتم عرضها على إيران من اجل موافقتها على التفاوض على المشروع النووي، وكذلك القناة التي ستتجاوز إسرائيل، وتربط مباشرة بين واشنطن وطهران.

عن “هآرتس”

Exit mobile version