هو يوم الأرض الذي يذكر أصحاب الضمائر كيف استباحة الصهيونية الأرض الفلسطينية وسرقة آلاف الدونمات عام 1976 بمرسوم يهودي عنصري صاغته أيادي الغدر في منتصف السبعينات تحت عنوان مشروع ” تطوير الجليل ” والذي يخفي في مضامينه الكثير من عمليات التهويد التي لم تقتصر على الجليل وحسب، لكن الجليل كان شرارة لأحداث يوم الأرض التي عمد فيها الشعب الفلسطيني شهداء سقطوا على ترابها ضد نهب 21 ألف دونم من أراضي عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها وتخصيصها للمستعمرات لاستكمال مخطط تهويد الجليل.
من يقرأ هذه السيرة النضالية يجد أن الفلسطينيين في الداخل، ورغم أن سلطات الاحتلال قامت بأعمال التهجير والتطهير بحقهم، ظلوا متشبثين بأرضهم، ورغم أنها فرضت عليهم ما يسمى “المواطنة الإسرائيلية” وبطاقات الهوية إلا أن ذلك لم يقيهم شر عمليات متواصلة من السطو على أراضيهم بلغت ذروتها في مطلع 1976.
وخلال ذلك كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلية تعمل على إسباغ “الصفة القانونية” المزعومة على عمليات المصادرة أو “الاستملاك” بالاستناد إلى قوانين الطوارئ والمعروفة بقوانين التسوية والإغلاق والأرض البور وغيرها، كما تم سن قانون تصديق الإجراءات والتعويض في العام 1953 للغرض ذاته، وتفيد معطيات “لجنة الدفاع عن الأراضي” أن الكيان صادر نحو مليون ونصف المليون دونم من أراضي العرب الذين بقوا على أرض الوطن منذ قيامه حتى العام 1976 ولم يبق بحوزة الفلسطينيين سوى نصف مليون دونم فقط، وهذا لا يشمل طبعا ملايين الدونمات من أملاك الغائبين.
وتؤكد دراسة بعنوان “حقائق عن إسرائيل” صادرة عن مكتب الاستعلامات في نيويورك أن مساحة الأراضي العربية التي صودرت حتى العام 1963 تراوحت بين مليون وثلاثة ملايين دونم استناداً إلى مصادر صهيونية.
وعندما نذكر يوم الأرض الذي يصادف ذكراه في 30 من شهر آذار من كل عام نتذكر مكونات الشعب الفلسطيني الذي هب للدفاع عن أرضه ووجوده في مواجهة مخططات الصهيوني المتطرف ” أرييه كنج” لتهويد الجليل ليكون يوم الأرض رسالة للمحتل الغاصب بأنه لم ينجح في تطويع الشعب الفلسطيني الثائر وإجباره التخلي عن أرضه والتشرد في نكبة جديدة.
الاحتلال هذا لا يزال يعاند حقائق التاريخ والجغرافيا ويعمل من أجل استكمال مشاريعه التي تهدف الى تثبيت مشروعه الصهيوني وإقصاء وتهجير الشعب الفلسطيني عبر التغول الاستيطاني ونهب حقوقه المشروعة من خلال التهويد والترحيل القسري والحديث عن التبادل السكاني والجغرافي بهدف الحفاظ على ما يسمى بــ ” يهودية الدولة ” عبر اقتلاع لقرى فلسطينية ومشروع تهويد النقب الذي عاد التحدث عنه من جديد.
وما يدعو للسخرية والأسف، غياب حدث يوم الأرض عن إعلام الفضائيات المأجورة التي تدور في فلك الاعلام المتصهين الذي التصق بالهوية العربية وهو ما بدا لافتا من تغييب الكثير من أولويات القضايا العربية، وكان يراد ليوم الأرض هو الآخر أن يُغيّب، ويمحى من الذاكرة، وبعض الركب العربي لم يتأخر عن اللحاق بتلك المحاولات والمساهمة بكل ما امتلك من أدوات.
إضافة الى انعكاس حالة التردي والانحطاط التي تمارسها بعض الدول العميلة ليعكس حالة ما يدور في الكواليس وخلف الإعلام عن تحالفات وتوافقات وانسجام لاستكمال تحقيق حلم صهيون بتصفية القضية الفلسطينية في إطار تأكيد التواطؤ فيما يسمى “صفقة القرن”.
اللافت أن عملية التغييب تلك، كانت على الضفة الأخرى من المشهد حافزاً لإعادة استحضارها بقوة لم تعرفها من قبل، وتحولت إلى عامل استنهاض للقوى الشعبية الفلسطينية وقوى المقاومة، وكانت الرسائل هنا بمضمونها ودلالاتها أكثر وضوحاً من أي وقت سابق.
يوم الأرض شاهدٌ على فشل الاحتلال، مع ما استنبطه أهلنا من أدوات طابقت معايير العمل الوطني في مقاومة الاحتلال. ويعيد نسج علاقة الفلسطيني مع الأرض ذاتها، في مشهد تعاضد على امتداد أرض الوطن الفلسطيني.
تبقى الحقيقة انه رغم المؤامرات التي حيكت وتحاك ضد الشعب الفلسطيني والمنطقة برمتها والعزف على وتر التفتيت الطائفي والمذهبي عبر ضخ الأموال ودعم العصابات الارهابية والتجييش الاعلامي وسرقة فلسطين لتأمين بقاء كيان الاحتلال، إلا أن مشاهد إحياء الشعب الفلسطيني ليوم الأرض كفيلة بتأكيد الثابت بأن كل ما استثمر لتدمير المنطقة وتخريبها وتمزيق الدول ذات الطابع المقاوم، وقتل الثوابت الوطنية لدى الفلسطينيين كتحرير الأرض وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، هو استثمار خاسر، وسيرتد وبالا وعاراً على كيان الاحتلال الإسرائيلي وأعوانه وعملائه وأدواته في المنطقة وخارجها.
وحدهم أصحاب الأرض ومن بقي معهم المؤمنون بالوجود والهوية والقضية. كانوا في يومهم الطويل يعيدون تعبيد طريقهم نحو الأرض بما تعنيه وما تعكسه في الوجدان الجمعي للفلسطينيين الذين وصلوا إلى القناعة الأكيدة بأن قضيتهم رهن بهذه الإرادة التي نبتت من تصميمهم ومن معهم منذ اللحظة الأولى للقضية.
وحدهم الذين تعنيهم الأرض والذين قاتلوا من أجلها وبذلوا حياتهم في سبيل استرجاعها يعنيهم يوم الأرض. المؤمنون بخيار المقاومة، والمتمسكون بخطها الوطني كانوا عرضة لهذا الاستهداف، وتلك المؤامرة بأبعادها الكونية وأدواتها الإرهابية.
يوم الأرض مناسبة لإعادة تحديد الاتجاه. لإعادة قراءة الإحداثيات الطارئة، وفهم مدلولاتها، والنظر لما هو أبعد مما يطفو على السطح، والتعمق في دراسة تلك الظواهر التي غالباً ما تتلاشى عند أول اختبار