الرئيسية الاخبار فضيحة التسريبات: «الشاباك» يتفكّك

فضيحة التسريبات: «الشاباك» يتفكّك

بقلم: عاموس هرئيل/ صمد أمر منع النشر بشأن ما سمي القضية الأمنية الجديدة في هذه المرة أقل من يوم، منذ اللحظة التي تسربت فيها التفاصيل الأولى وحتى رفع الحظر الجزئي، أول من صباح أمس. في أساس هذه القضية يتعلق هذا التحقيق بشبهات بشأن تسريب معلومات لمراسلين ووزير في الحكومة بدون صلاحية. ولكن من الطريقة التي تدحرجت فيها الأمور وتصاعدت يبدو أنه يتطور هنا شيء أكثر عمقا. هذه مواجهة مباشرة بين “الشاباك” والصحافي اليميني البارز (كما يبدو المحبوب) جداً في الدولة، عميت سيغل من “أخبار 12″، حيث في الخلفية تستمر جهود رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، للتخلص من رئيس الجهاز، رونين بار.
منذ النشر، ظهرت ادعاءات بشأن ملاحقة سياسية منهجية يقودها بار ضد رجال من اليمين. يجدر التذكير أيضا بحقائق مهمة لفهم السياق. أولاً، أن نتنياهو واليمين المتطرف يديرون حملة مخططا لها وواسعة لتشويه مؤسسات الدولة ومفاقمة الانقسام الداخلي في المجتمع الإسرائيلي. ثانيا، أنه توجد لرئيس الحكومة مصلحة شخصية معينة لتسريع إقالة بار (التي تم تجميدها في هذه اللحظة بأمر من المحكمة العليا)، إزاء تقدم “الشاباك” في تحقيق القضية القطرية، التي يُتهم فيها اثنان من رجال مكتبه. ورغم أن القضية الجديدة لا تتعلق في هذه الأثناء بصورة مباشرة برئيس الحكومة فإنه لا يمكن رؤيتها بصورة منفصلة عن حرب نتنياهو ضد بار والمستشارة القانونية للحكومة وجهاز الأمن وسلطات القانون.
في بيان قسم التحقيقات مع رجال الشرطة، المسؤول عن التحقيق سوية مع “الشاباك”، قيل إنه في هذه القضية اعتقل في 9 نيسان رجل من “الشاباك” بتهمة ارتكاب مخالفات أمنية. هذا الرجل هو أحد موظفي الجهاز في خدمة الاحتياط، المسمى حاليا “أ”، والمتهم باستغلال منصبه وقدرته على الوصول إلى وثائق سرية من اجل إعطاء معلومات لجهات غير مسموح لها الحصول عليها. في الأيام الأولى من التحقيق وحتى أول من أمس، منع من مقابلة المحامي. وقال قسم التحقيقات في الشرطة، إنه خلافاً لقضية قطر فإنه في الحالة الحالية لم يتم أخذ شهادات من الصحافيين.
من تفاصيل أخرى، تكشفت الآن، يتضح أن موظف الجهاز متهم بنقل معلومات للوزير، عميحاي شكلي، من المخلصين الأخيرين والمتحمسين لنتنياهو، وللصحافي عميت سيغل ومراسلة “اسرائيل اليوم”، شيريت افيتان – كوهين. نشر سيغل في 23 آذار بأن “الشاباك” يجري تحقيقاً في اشتباه “سيطرة كهانية” على الشرطة، وحسب المادة 7/أ من قانون الجهاز، الذي يحدد أهدافه، يذكر مكافحة “تقويض أجهزة الحكم والديمقراطية”. تناول تحقيق “الشاباك” خطوات للشرطة، بالتنسيق مع وزير الأمن الوطني، إيتمار بن غفير، حول اتخاذ القرارات بشأن ترتيبات الصلاة والزيارة في الحرم. حسب الاشتباه نقلت معلومات مشابهة أيضا إلى شيكلي.
في حين أن افيتان كوهين نشرت في صحيفتها بعد يومين من ذلك ما وصفته بـ”وثائق استراتيجية بار في السنوات التي سبقت مذبحة 7 تشرين الأول”، فإن هذا النشر اتهم “الشاباك” بـ”مؤامرة” مكنت من حدوث المذبحة، مع التوصية بمساعدة اقتصادية لقطاع غزة واحتواء تهديد “حماس”. وقال رجل الجهاز المعتقل في التحقيق معه، إنه عمل من اجل نشر “معلومات عامة مهمة جدا، تم إخفاؤها من قبل (الشاباك)”.
ولمح سيغل، أول من امس، في تغريدة في تويتر بأن “الشاباك” تنصت على محادثات مراسلين في هذه القضية. في “الشاباك” ينفون ذلك: هذه الخطوة بحاجة إلى منظومة متشعبة من المصادقات، التي لم يتم طلبها على الإطلاق. بعد الرفع الجزئي للأمر صرح بشكل أكثر حديّة. كتب سيغل أن “القصة في النهاية بسيطة جدا: روى رونين بار للمستشارة القانونية قصة تثير القشعريرة عن سيطرة الكهانية على الشرطة كما ظهرت في 9 آب العبري في الحرم. أرادت المستشارة القانونية الفحص، وبعد ذلك تبين، للأسف الشديد، من قبل مرؤوسي بار أنه لم يكن هناك أي شيء كهذا. قام بار في محاولة لترميم مكانته أمامها وأمام رجاله بفتح تحقيق سري وغير مسبوق… أيضا هذا التحقيق انتهى بلا شيء”.
حسب قوله، أدرجت المستشارة القانونية “معلومات سرية كاذبة”، قدمها بار، في مبرراتها أمام المحكمة العليا في جلسة الاستماع للالتماسات التي تناولت إقالته. وأضاف سيغل، إن “القصة يتم نشرها وهي محرجة جدا بالنسبة له. توجد لديهم الأدوات المطلوبة لملاحقة الشخص الذي كشف عريهم، ولذلك ألقوه في الحجز بدون محام. ألا يعتبر ذلك عرقلة؟ كيف يمكن إعاقة تحقيق انتهى بلا شيء؟ وعندما لا توجد مصادر يصعب تحديدها… سينشغل الجهاز الجدي بإجراء تحقيق داخلي معمق حول سبب انغماسه في تحقيق مزيف بدلا من مضاعفة مبلغ الرهان”.
في المقابل، ادعت الجهات المطلعة على القضية بأن المعلومات عن العلاقة بين الشرطة ومصلحة السجون وبين جهات كهانية (المنظمات المتماهية مع “كاخ”، التي تعتبر في القانون منظمات إرهابية منذ العام 1994)، وصلت إلى لواء “يهودا” في الجهاز، بدون توجيهات من الأعلى. هذا لم يكن تحقيقا كاملا بل جمع معلومات مسبقة إزاء الاشتباه الذي ثار، والذي استهدف التحقيق في مستوى اختراق الكهانيين للشرطة ومصلحة السجون. انشغل الجهاز في ذلك بحكم دوره. وجرى جمع المعلومات في ظل الحفاظ على مسافة من بن غفير ورجاله. وأضافوا، إن بار تمت إحاطته بالتفاصيل إزاء الحساسية، وطلب منه المصادقة على مواصلة الفحص. “يقومون بشيطنة بار”، قالوا. “الواقع مختلف كليا. بسبب الحساسية لم يتم فتح تحقيق أمام بدوكاي (بن غفير)”.
أثار النشر واتهامات سيغل – كما هو متوقع – هجوما صارخا من قبل الوزراء وأعضاء الكنيست في الائتلاف ضد بار و”الشاباك”. وقال نتنياهو، في بيان لقائمة “الليكود”، إن بار وبهراف ميارا حولا أجزاء من “الشاباك” إلى “ميليشيا خاصة”، ليس أقل من ذلك. واتهم وزير المالية، سموتريتش، بار بـ”التخطيط لانقلاب نظامي عميق”، وهدد بمقاطعة الجلسة التي سيشارك فيها بار في فرقة غزة (الجلسة تم إلغاؤها)، واقترح تعيين “أ”، المشتبه فيه، رئيسا جديدا للجهاز. وصف شيكلي المشتبه فيه بـ”بطل إسرائيل، الذي كشف الفساد، وكان مستعدا للمخاطرة ضد المسؤولين اللذين لعبا دورا خطيرا”. أعلنت قناة الدعاية المؤيدة لبيبي، القناة 14، أن علما اسود سيرفرف الآن على شعار بثها إلى حين إقالة بار.
يجدر تذكر الموقف المتغير والناجع لنتنياهو واتباعه من التسريبات. عندما يكون الأمر مناسباً له فهو يطالب بالتحقيق مع المصدر، وعندما يكون الأمر اقل ملاءمة له، مثلما في حالة تسريب العرض المقدم للحكومة حول عملية “الجرف الصامد” في العام 2014، يتجاهله. فقط مؤخرا اعترف بأن مستشاره المشهور، يونتان أوريخ، قام بتسريب معلومات سرية بتوجيه منه. في وقت سابق اعتقل متحدث آخر بلسانه، هو إيلي فيلدشتاين، وضابط صف في “أمان”، آري روزنفيلد، وتم التحقيق أيضا مع آخرين في الاستخبارات العسكرية للاشتباه بتسريب وثائق سرية لصحيفة “بيلد”.
التسريبات، لا سيما السرية، هي الأكسجين الأساسي للصحافة الحرة، وطالما أن المعلومات الأمنية تم تقديمها وتمت مصادقة الرقابة العسكرية عليها فإنه ليس من شأن المراسل، الذي قام بالنشر، معرفة كيفية الحصول عليها. مع ذلك فإن قواعد اللعب معروفة. ففي الوقت الذي يصعب فيه على الجيش، في أعقاب زيادة حجمه وغياب الانضباط، تطبيق الحظر على إجراء اتصالات مع وسائل الإعلام، فإن الظروف في “الشاباك”، الذي هو اصغر وأكثر سرية، مختلفة، ويميل هذا الجهاز اكثر إلى التحقيق في التسريبات من صفوفه.
يبدو أن حقيقة أنه فيما نشره سيغل تم إحضار صورة لوثيقة وصفت بأنها سرية، والتي خرجت من مكتب بار، زادت دافع الأخير للتحقيق ومعرفة مصدر التسريب. لا يعتبر تسريب وثائق من جهاز تجسس أمرا بسيطا. في “الشاباك” هذا موضوع نادر جدا، ما يشير إلى بداية التفكك الداخلي، حيث تشغل السلطة لأغراضها عملاء في الجهاز.
يوجد رئيس “الشاباك”، الآن، في مواجهة مباشرة، ليس فقط مع نتنياهو وسموتريتش وشيكلي وماكينة السم، بل في مواجهة أخرى مع سيغل. من بين الأشخاص المتورطين تصعب معرفة من هو الأكثر تصميما واستعدادا للقتال. وفي الوقت الذي تسر فيه هذه المواجهات وسائل الإعلام فإنه لحق ضرر كبير بجهاز “الشاباك” نفسه، والذي يصمم اليمين على جره إلى الوحل في إطار الحرب المحمومة من اجل الدفاع عن رئيس الحكومة. القضية الحالية ليست الأولى، وقد جاءت استمراراً للهجوم على رئيس القسم اليهودي في “الشاباك” في بداية الشهر الحالي. من الواضح أيضا أن العاصفة الجديدة تخدم نتنياهو؛ لأن الانشغال الكبير بها، مرة أخرى، يحرف النقاش عن فشل الحرب في غزة، وعدم إعادة الـ 59 مخطوفاً.

عن “هآرتس”

Exit mobile version