بقلم: غي شنعار* /الدراما القضائية، التي تجري الآن في محكمة العدل العليا في أعقاب التصريح الذي رفعه رئيس “الشاباك”، رونين بار، هي ذروة الصدام الجبهوي الحتمي بين أمن الدولة ومصداقية المستوى السياسي على الصعيد الأعلى.
التصريح الاستثنائي لبار، والذي يشكل عمليا بديلاً عن شهادة بالقسم، يشهد قبل كل شيء على أن بار مقتنع بخطورة الأمور، وعلى انعدام الثقة من جهته بالمبررات الرسمية لإقالته. لقد سمحت المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهرب ميارا، لبار أن يُسمع صوته بعد أن اقترح قضاة الهيئة صراحة أن يبدل بار كتاباً بعث به إليهم بتصريح موقع مشفوع بالقسم كي تعطى ادعاءاته ومعانيها مفعولاً دلالياً وقضائياً.
تصريح كهذا، مسنوداً بوثائق وتواريخ، يجعل الخلاف بين رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ورئيس “الشاباك” مباشراً وحاداً.
الآن توجد أمام المحكمة شهادة وقائعية مفصلة ضد رئيس الوزراء أو من ينوب عنه.
يدعي بار صراحة أن قرار رئيس الوزراء تنحيته لا يستند إلى اعتبارات مهنية أو أمنية، بل ينبع من ضغوط سياسية وشخصية.
سعى نتنياهو، بزعم بار، ليستخدم “الشاباك” بشكل غير جدير، ضمن أمور أخرى كي يلاحق نشطاء الاحتجاج، ويشوش إجراءات قضائية.
هذه الادعاءات بالطبع ينفيها نفياً قاطعاً مكتب رئيس الوزراء، الذي تقدم ببيان يقضي بأن التصريح الذي رفعه بار إلى محكمة العدل العليا هو “تصريح كاذب” والذي “سيدحض بالتفصيل في الزمن القريب القادم”.
لكن القسم العلني من التصريح، مهما كان مقلقاً، هو مجرد طرف الجبل الجليدي.
في لباب الخلاف يوجد بالذات القسم السري – 31 صفحة وعدد من الملاحق من المعلومات الاستخبارية الحساسة التي توضع الآن لعناية قضاة محكمة العدل العليا فقط. سيفضل رئيس الوزراء – كما يفهم من المداولات الأخيرة – أن تبقى هذه معلومات عملياً في الخزنة.
السؤال الواجب الآن هو هل يمكن لمحكمة العدل العليا أن تلزم نتنياهو بتفسير الادعاءات التي تطرح في التصريح السري؟
الجواب القضائي هو بلا لبس: نعم. صحيح أن محكمة العدل العليا لا يمكنها أن تكشف المواد للجمهور لكنها بالتـأكيد يمكنها أن تطالب رئيس الوزراء بتقديم تفسيرات وبمواقف موضوعية وإن كان في إطار إجراء مغلق.
انعدام رد معلل وواضح قد تفسره المحكمة بمثابة اعتراف هادئ بصدقية الادعاءات القاسية.
تثبت سوابق قضائية في الماضي أن المحكمة لا تتردد في التصدي لشهادات متضاربة للمستويات الأعلى.
العكس هو الصحيح، عندما تصطدم ادعاءات أمنية بتفسيرات سياسية أثبت القضاة سابقاً أنهم مستعدون ليتبنوا رواية الحقيقة الوقائعية، حتى بثمن مواجهة جماهيرية حادة.
في حالة بار مقابل نتنياهو الحسم قد يكون صعباً ومقلقاً.
الإمكانيات التي يقف أمامها نتنياهو ليست بسيطة. يمكنه أن يتقدم بتصريح مضاد ينفي ادعاءات بار ويفتح فتحة لتحقيق مضاد مشحون وخطير من ناحية سياسية، ويمكنه أن يواصل صمته، ويخاطر في أن تقبل المحكمة الادعاءات ضده بصفة ذلك أهون الشرور، أو أنه يمكنه أن يبحث عن مخرج بطريقة الحل الوسط من خلف الكواليس، بحيث يمنع هذا الصدام المباشر والمشحون.
لكن فضلاً عن الأسئلة القضائية المركبة، من حق الجمهور أن يحصل على جواب بسيط وواضح: هل رئيس وزراء إسرائيل، منتخب الجمهور، عمل أم لم يعمل بشكل جدير، حين يدور الحديث عن أمن الدولة وثقة الجمهور؟
حقيقة أن رئيس “الشاباك” قرر أن يأخذ مخاطرة هائلة، بما في ذلك الأذى بالجهاز الذي يقف على رأسه، من أجل أن يعرض روايته أمام المحكمة، تؤكد فقط كم هو وزن الادعاءات ثقيل.
عن “معاريف”
*خبير في القانون الجنائي والعام ورئيس لجنة الجريمة الدولية في رابطة المحامين.
