
الايام – محمد الجمل:
واصلت “الأيام”، رصد مشاهد جديدة من العدوان الإسرائيلي وتبعاته على قطاع غزة، منها مشهد حول تفاقم الجوع على وقع القصف والنزوح، ومشهد يُسلّط الضوء على احتدام المعارك في رفح، ومشهد ثالث تحت عنوان: “كارثة بيئية”.
جوع على وقع القصف
مضى أكثر من 70 يوماً على أطول حصار يتعرض له قطاع غزة منذ بداية الحرب الحالية، وبلغت المجاعة في القطاع ذروتها، مع نفاد السلع من الأسواق، وتوقف توزيع المُساعدات الغذائية، وارتفاع أسعار ما بقي في الأسواق من سلع.
ووصل ثمن كيلو السكر إلى 90 شيكلاً، فيما تخطى ثمن كيس الطحين وزن 25 كغم 1700 شيكل، ومازال الأرز شحيحاً جداً في الأسواق، وأسعاره باهظة.
ويعيش المواطنون والنازحون في قطاع غزة المجاعة الحالية على وقع القصف والمجازر، مع استمرار النزوح ومعاناة الخيام.
وقال المواطن إبراهيم يحيى، إنه اضطر إلى نقل خيمته من جنوب خان يونس، باتجاه المواصي، بعد توالي سقوط قذائف مدفعية في محيط المكان الذي كان يُقيم فيه، وهي ثالث مرة يُغيّر مكانه منذ تجدد العدوان في شهر آذار الماضي.
وأكد يحيى أن هذه المرة هي الأصعب، فقد نقل خيمته في ظل الحر والجوع والخوف، وعدم وجود مركبات أو وسائل نقل، موضحاً أنه كان يعمل برفقة أبنائه وهم مرهقون بسبب قلة الأكل.
وأشار إلى أنه بات يشعر بأن كل شيء سيئ اجتمع على أهل غزة، فالموت والخوف اجتمعا مع الجوع والنزوح، “وهذا كله تلاقى مع خذلان عربي وإسلامي، وتقاعس دولي عن نجدتهم من هذه الكارثة”.
وأكد أن وضع المواطنين في قطاع غزة بائس، فالأشخاص يسيرون في الشوارع هزيلي الأجسام، شاحبي الوجوه، واليأس والخوف يتملكانهم.
وطالب المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة بإرسال بعثات تحقيق دولية مستقلة لتوثيق الجرائم ومحاسبة قادة الاحتلال، داعياً الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى التدخل العاجل لوقف الحصار، وإنهاء سياسة التجويع الحالية.
بينما حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة بشكل متسارع، نتيجة المنع الشامل الذي يفرضه الاحتلال على دخول السلع الإنسانية والتجارية.
وقال نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق: “منذ أواخر نيسان الماضي، اضطر أكثر من 80 مطبخاً إلى الإغلاق بسبب نقص الإمدادات، والعدد في ازدياد مستمر”، مشيراً إلى أن هذا يُفاقم الجوع على نطاق واسع في غزة، حيث تشكّل الوجبات الجاهزة التي تقدمها هذه المطابخ أحد آخر شرايين الحياة المتبقية للسكان.
وبيّن أن فرق الأمم المتحدة وشركاءها على الأرض يتواصلون يومياً مع سلطات الاحتلال، وأي جهة لها تأثير على الوضع الإنساني في غزة، موضحاً أن تركيزهم ينصب على كيفية رفع الحصار بالكامل وتسهيل العمليات الإنسانية.
احتدام معارك رفح
رغم احتلال محافظة رفح بشكل كامل، وعزلها تماماً عن محيطها، من خلال إقامة محور فصل “موراغ”، وتدمير أكثر من 85% من مبانيها، إلا أن المدينة المُحاصرة، ما زالت تشهد معارك مُحتدمة بين مقاومين وقوات الاحتلال.
ويومياً تقع اشتباكات عنيفة بين مقاومين وقوات الاحتلال، خاصة في مناطق شرق رفح، يتخللها قصف إسرائيلي عنيف، وغارات جوية متتالية، كما تُشاهد سُحب الدخان الكثيف تتصاعد من داخل المدينة، وهي تنتج عن إطلاق الاحتلال قنابل دخانية، وهي خطوة عادة ما تهدف إلى التغطية على انتشال القتلى والجرحى، قبل أن تُشاهد طائرات إجلاء تهبط داخل المدينة.
وأعلن جيش الاحتلال في الأيام الماضية عن وقوع أكثر من عملية “حدث أمني”، في رفح، تسببت بوقوع قتلى وجرحى في صفوف قواته.
وأكد خبراء ومحللون أن العمليات في رفح لها مدلولات خاصة، فرفح مدينة حدودية، جرى إخلاؤها تماماً من السكان، وتدمير ما تبقى فيها من مساكن، وفرض سيطرة أمنية كاملة عليها، وحصارها من 4 جهات بشكل مُحكم، ورغم ذلك ما زالت المقاومة موجودة في رفح، وتنفذ ضربات موجعة للاحتلال، وهذا شكّل إحراجاً كبير للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأثبت بعد عام من احتلال رفح، وعام و9 أشهر على العدوان، أن الأهداف التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقضاء على المقاومة، لم تتحقق حتى الآن، ويبدو أنها لن تتحقق مستقبلاً، حتى لو نفذ الاحتلال تهديداته بعملية كبيرة في قطاع غزة، تصل إلى إعادة احتلاله، فإن جيشه سيواجه حرب استنزاف معقدة.
وذكرت وسائل إعلام عبرية أن المقاومة في غزة نجحت خلال فترة التهدئة في ترميم قدراتها، واستعدت جيداً لاستئناف القتال، وحصلت على كميات كبيرة من المعدات القتالية، من خلال القنابل التي لم تنفجر، التي أطلقتها طائرات ودبابات الاحتلال، وعملت على إعادة تدويرها من جديد، واستخدامها مرة أخرى ضد جيش الاحتلال.
وكانت “كتائب القسام”، الذراع العسكرية لحركة “حماس”، أعلنت في فيديو مُسجّل، بدء سلسلة عمليات أطلقت عليها اسم “أبواب الجحيم”.
وفي آخر عملياتها أكدت “كتائب القسام”، أن مقاتليها استهدفوا قوة هندسية إسرائيلية قوامها 12 جندياً كانت تتجهز للقيام بعملية نسف داخل أحد المنازل في محيط “مفترق الفدائي”، في حي التنور شرق مدينة رفح، بقذيفتين مضادتين للأفراد والدروع، ما أدى إلى انفجار كبير داخل المنزل، ووقوع أفراد القوة بين قتيل وجريح.
وفي بيان آخر قالت “القسام” إن مقاتليها استهدفوا قوة إسرائيلية راجلة قوامها 7 جنود بعبوة شديدة الانفجار في محيط مسجد عمر بن عبد العزيز بحي التنور شرق مدينة رفح جنوب القطاع.
كارثة بيئية
دفعت أزمة غاز الطهي المُتواصلة في قطاع غزة، المواطنين خاصة الفقراء العاجزين عن شراء الحطب والخشب، للبحث عن أي شيء لحرقه، من أجل إعداد الطعام والخبز، بما في ذلك النفايات البلاستيكية، والجلد المُصنع، خاصة الأحذية، حتى وصل الأمر إلى البحث عن القماش والملابس المُهترئة لحرقها.
وبعد نفاد المواد المذكورة، بدأ بعض النازحين بالتوجه إلى مجمعات النفايات الصلبة، المنتشرة في كل مكان، خاصة في قلب مواصي خان يونس، للبحث عن أي شيء يمكن حرقه، والاستفادة من ناره.
وخلّف هذا السلوك الكارثي والخطير، مشاكل بيئية آنية ومُستقبلية، تبدأ دائرة تأثيرها من مُشعل النار، الذي يستقبل ويستنشق أكبر قدر من الدخان، وكذلك عائلته، التي تتناول طعاماً وخبزاً معبقاً بدخان مواد خطيرة، ثم يمتد التأثير إلي البيئة المحيطة، حيث ينتشر الدخان ذو الروائح الكريهة، حتى يصل هذا التأثير إلى البيئة بشكل عام، عبر تلويثها، ما يرفع نسب التلوث بشكل كبير، ويُشكّل تهديداً للنظام البيئي برمّته.
وقال الفتى عبد الله بركات، إنه كان يبحث في السابق عن الخشب والحطب على شاطئ البحر وفي منطقة المواصي، ومؤخراً نفد هذا المورد بشكل كامل، ما اضطره للتوجه إلى مكبات النفايات الصلبة، حيث يبحث هناك عن أي شيء يمكن الاستفادة منه، سواء بقايا أنابيب بلاستيكية، أو قارورات مياه بلاستيكية تالفة، أو بقايا إطارات، أو أي شيء يمكن حرقه.
وبيّن أنهم وحين يُشعلون النار، ويلقون القطع البلاستيكية فيها، يشتمون روائح كريهة، ويشاهدون الدخان الأسود يتصاعد، ويعلمون أن حرق هذه النفايات خطر عليهم وعلى البيئة، لكن لا يمتلكون خياراً آخر.
وحذر خبراء بيئيون من مخاطر إحراق المخلّفات البلاستيكية، والمطاط الصناعي، مؤكدين أن هذا الأمر له تبعات بيئية خطيرة، لاسيما حرق إطارات السيارات، وهذه العملية تُشكل خطراً واضحاً على الصحة العامة والبيئة في غزة، وتزيد من معدلات التلوث في البيئة، وترفع مخاطر انتشار الأمراض السرطانية.
ووفق خبراء وأطباء فإن عملية احتراق مثل هذا الوقود غير كاملة، ما يعني أن رواسبها تبقى في الجو لفترة طويلة، وستكون سبباً في انتشار الأمراض الصدرية والالتهابات، خاصة ما يتعلق بمرض “التليّف الرئوي”، والأشخاص الأكثر قرباً من عملية الحرق هم أكثر الناس عرضة للأمراض خلال الفترة المقبلة.