الرئيسية الاخبار معادلة ترامب الجديدة في الشرق الأوسط: إسرائيل تفقد مكانتها

معادلة ترامب الجديدة في الشرق الأوسط: إسرائيل تفقد مكانتها

بقلم: إيلي فوده /من منظور اقتصادي، يمكن اعتبار زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج ناجحة للغاية؛ فقد وقّعت الولايات المتحدة مع السعودية وقطر والإمارات صفقات تفوق قيمتها التريليون دولار، في مقابل حصول هذه الدول على أسلحة وتكنولوجيا متقدمة.
ولا يزال الوقت كفيلاً بإظهار إذا ما كانت هذه الصفقات ستتحقق فعلاً؛ إذ ظلّ جزء كبير من الصفقات، التي وقّعها ترامب خلال زيارته في سنة 2017، حبراً على ورق.
ومن الصعب أيضاً التنبؤ بما إذا كانت الدول الثلاث، ولا سيما السعودية، قادرة، مالياً، على تحمّل النفقات، في ظل تراجُع أسعار النفط وصعوبات اقتصادية أُخرى.
وعلى الرغم من أن الزيارة ركزت على الجانب الاقتصادي، فإنها حملت دلالات سياسية، لبعضها تبعات مهمة أيضاً على إسرائيل.
تتمثل الدلالة الأولى في توجيه رسالة مهمة إلى إيران، خلال سير المفاوضات معها بشأن الملف النووي، مفادها أن دول الخليج، إلى جانب الولايات المتحدة، شكّلت عملياً “طوق نجاة”.
صحيح أن ترامب زار ثلاث دول فقط، إلّا إن اجتماعه بممثلي الدول الست في مجلس التعاون الخليجي، والتي تشمل أيضاً الكويت وعُمان والبحرين، بعث رسالة موقف موحّد مناهض لإيران.
وعلى أرض الواقع، ترتبط هذه الدول أيضاً بعلاقات مع إيران، لكن الزيارة والاجتماع يشيران إلى ترتيب الأولويات الحقيقي لدول الخليج فيما يتعلق بالقضية الإيرانية.
الدلالة الثانية تتعلق بالأهمية المتصاعدة لهذه الدول الثلاث على الساحتين الإقليمية والدولية.
صحيح أن أول زيارة قام بها ترامب في ولايته الأولى كانت أيضاً للسعودية، لكنه انتقل بعدها مباشرة إلى إسرائيل.
ومن بين دول الخليج، يبدو أن استعراض الصداقة من جانب قطر كان مهماً، وذلك على خلفية الانتقادات الغربية والإسرائيلية الموجّهة إليها بشأن تمويل منظمات “إرهابية” ومناهج تعليمية “متطرفة”.
أمّا مصر، الغارقة في ديون ضخمة، فلا يسعها سوى النظر إلى شقيقاتها العربيات الثريات بعين الحسد.
الدلالة الثالثة هي أن الصراع على سورية يشهد تحولاً. لا يزال اللغز قائماً بشأن إذا ما كان الحاكم الجديد لسورية، أحمد الشرع، غيّر توجُّهه فعلاً، لكن اللقاء الذي حظيَ بتغطية إعلامية واسعة بين الشرع وترامب قد يشير إلى الاتجاه الجديد الذي تسلكه سورية.
من غير الواضح سبب مسارعة ترامب إلى التخلّي عن ورقة العقوبات دون أن يحصل، فعلياً، على مقابل ملموس لكل المطالب التي طرحها، غير أن الإغراء الذي وعد به كان يهدف إلى تعزيز القبضة الغربية، التي حظيت بدعم إضافي من خلال تعهّد سعودي بسداد ديون سورية للبنك الدولي.
الدلالة الرابعة هي أن خطوط الفصل بين المعسكرات الإقليمية أصبحت أقل وضوحاً. خلال الحرب، نشأ تمييز واضح بين محور المقاومة بقيادة إيران، وبمشاركة سورية ولاعبين غير دولاتيين، مثل “حزب الله”، و”حماس”، والحوثيين، والميليشيات العراقية، وبين نخب المعسكر المعتدل الذي ضم إسرائيل والدول الموقّعة على اتفاقيات السلام والتطبيع، فضلاً عن السعودية.
في المنتصف، وقف كلٌّ من تركيا وقطر، فتبنّت الأولى موقفاً معادياً لإسرائيل بوضوح، بينما لعبت الثانية دور الوسيط بين “حماس” وإسرائيل، مع ميل واضح لمصلحة “حماس”.
إن زيارة ترامب لقطر، إلى جانب لقائه الرئيس السوري، بحضور افتراضي للرئيس التركي أردوغان، تشير إلى أن خطوط التماس التي كانت تفصل بين هذه المعسكرات تمزّقت.

إسرائيل تفقد مكانتها
للدلالات السياسية المذكورة أعلاه تبعات مهمة على إسرائيل. الأولى والأهم، هي أن إسرائيل لم تعد الحليف المُفضَّل، ومن المؤكد أنها ليست الحليف الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة.
والأخطر من ذلك، أن دول الخليج تقدّم للولايات المتحدة خيارات اقتصادية ومالية لا تستطيع إسرائيل منافستها. وهذا الاستنتاج يقود إلى نتيجتين فرعيتين:
أولاً: أن إسرائيل قد تفقد في المدى البعيد جزءاً من تفوّقها التكنولوجي لمصلحة دول المنطقة.
ثانياً: أنها لن تحظى، بعد اليوم، بحُرية مطلقة في تنفيذ نزواتها السياسية، أو العسكرية، وإذا أرادت أن تكون جزءاً من المنطقة، وأن تستفيد من عضويتها في القيادة المركزية الأميركية، التي أدت دوراً حاسماً في الدفاع عن أجوائها خلال الهجوم الإيراني في نيسان 2024، فعليها أن تأخذ في الاعتبار أيضاً مصالح المعسكر الذي تسعى للانضمام إليه.
النتيجة الثانية هي نشوء إمكانية لنسيج جديد من العلاقات مع تركيا وسورية.
جاء اللقاء بين ترامب والشرع وأردوغان في سياق محادثات استكشافية جرت بين ممثلين إسرائيليين وسوريين في دولة الإمارات، وممثلين إسرائيليين وأتراك في أذربيجان.
من الواضح أن هناك ترابطاً بين هذه التحركات التي تفتح المجال أمام تقارُب محتمل بين الدول الثلاث.
مع ذلك، ثمة فرق جوهري بين حالة العلاقات الإسرائيلية – التركية، إذ توجد علاقات دبلوماسية قائمة، وبين حالة العداء القائمة بين إسرائيل وسورية، إذ لا يزال البلدان في حالة حرب، في ظل احتلال إسرائيل، وضمها هضبة الجولان، وسيطرتها على المنطقة المنزوعة السلاح.
ويمكن إدراج لبنان أيضاً ضمن هذا النسيج الجديد من الفرص: الضربة التي تلقاها “حزب الله” أدت إلى إضعافه داخلياً، وانتخاب رئيس مسيحي معارض له، وازدياد الأصوات المطالِبة بفتح صفحة جديدة في العلاقات مع إسرائيل.
النتيجة الثالثة تتعلق بالقضية الفلسطينية، على الرغم من أنها لم تحظَ باهتمام كبير خلال الزيارة، فقد اطّلع ترامب بشكل مباشر على الموقف العربي الجماعي الذي يطالب بوقف الحرب وانسحاب إسرائيل من غزة، وهو موقف يشمل، بطبيعة الحال، أيضاً إطلاق سراح الأسرى.
وإن لم يتبنَّ ترامب هذا الموقف العربي بصيغته الكاملة، فإنه بات يدرك بشكل أفضل، الآن، مدى قوته وتبعاته على تحقيق المصالح الأميركية.
في الوقت نفسه، أظهرت الزيارة أن التطبيع مع السعودية ليس مطروحاً على الطاولة.
لقد أدى السابع من تشرين الأول 2023 إلى تغيّر في الموقف السعودي تجاه حل القضية الفلسطينية. فكما رفضت إسرائيل في السابق مبادرة السلام العربية، ترفض الحكومة الإسرائيلية اليوم الدفع بـ”العملية السياسية”، في مقابل المقترح العربي – السعودي.
ومن المهم التشديد على أن هذه الزيارة لم تُسفر عن أي قرار بشأن توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية والولايات المتحدة، أو بشأن منح واشنطن موافقة على برنامج نووي سعودي مدني، وهما شرطان كانا مرتبطَين، جوهرياً، باتفاق تطبيع محتمل مع إسرائيل.

المعادلة الجديدة
إن الاستنتاج الفوري من كل ما سبق، هو أن زيارة ترامب إلى الخليج عززت عزلة إسرائيل داخل معسكر الدول المعتدلة؛ لم يتم إخراج إسرائيل منه لكن مكانتها تضررت. ومع ذلك، فإن نظرة أعمق تكشف أن نتائج الزيارة السياسية تحمل في طياتها إمكانات إيجابية لإسرائيل، إذا أحسنت استغلالها.
مثلما حدث بعد حرب 1967، حققت إسرائيل مكاسب عسكرية، لكنها لم تُترجم إلى إنجازات سياسية. فالحرب، حسبما علّمنا كلاوزفيتش، لا يمكن أن تكون هدفاً بحد ذاته، بل هي أداة من بين أدوات أُخرى لتحقيق مكاسب سياسية.
إن اتخاذ قرار بإنهاء الحرب وإطلاق سراح الأسرى، في وقت باتت “حماس” مهزومة فعلياً، من دون دعم حقيقي، ولا قيادة، من شأنه أن يغيّر الموقف من إسرائيل على الساحتين الدولية والإقليمية، ويفتح أمامها المجال لاغتنام الفرص التي أتاحتها الحرب والزيارة.
إن فرصة الاتفاق مع السعودية لم تُغلق، بالضرورة، فهي باتت مرهونة، الآن، باستعداد إسرائيل لإنهاء الحرب والمضيّ قدماً نحو حلّ القضية الفلسطينية، وفي المقابل فإن نافذة الفرص التي فُتحت تجاه تركيا وسورية لا تعتمد على تقدُّم في المسألة الفلسطينية، لكنها مشروطة بتغيير في سياسة إسرائيل تجاه هاتين الدولتين. ومع ذلك، يبدو أن حاجة نتنياهو ورغبته في الحفاظ على ائتلافه الحكومي تطغى على جميع هذه الفرص.
وهكذا، يتضح مرة أُخرى أن المقولة الإسرائيلية الشهيرة، إن العرب، وخصوصاً الفلسطينيين، هم وحدهم الذين لا يفوّتون فرصة لتفويت الفرص، حسبما قال أبا إيبان، لم تعد لها أرضية يمكن الركون إليها.

عن “N12”

Exit mobile version