الرئيسية زوايا أقلام واراء النضال الشعبي” بين وضوح الموقف واستمرارية الالتزام ..بقلم :عصام الحلبي

النضال الشعبي” بين وضوح الموقف واستمرارية الالتزام ..بقلم :عصام الحلبي

النضال الشعبي” بين وضوح الموقف واستمرارية الالتزام
بقلم: عصام الحلبي*
تحلّ الذكرى الـ 58 لانطلاقة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، في وقت تستعيد فيه الحركة الوطنية الفلسطينية أسئلتها الكبرى، بين تصاعد التحديات الداخلية، واستمرار الهجمة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية على الأرض والإنسان. ولعلّ في هذه الذكرى ما يدعو للتأمل في تجربة فصيل وطني اختار أن يظل في صف الدفاع عن الكيانية السياسية للشعب الفلسطيني، دون أن يغادر موقعه المستقل أو يساوم على ثوابته.
منذ انطلاقتها عام 1967، اتخذت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني موقعها في المشهد الفلسطيني كإطار وطني تقدّمي، حمل في بواكيره مشروعًا للمقاومة المتعددة الأوجه، يستند إلى رؤية اجتماعية وطنية سياسية، ويؤمن بأن التحرير لا ينفصل عن الكرامة، وبأن الهوية لا تُصان بالخطب والبيانات فقط، بل بالفعل الميداني والتنظيم الشعبي.
لم تكن الجبهة فصيلًا ضخمًا، لكنها حافظت على تماسك خطابها وموقعها في لحظات الانحراف أو الضياع. ولم تنخرط في انقسامات الشارع الفلسطيني، بل سعت—قدر ما تسمح به إمكاناتها—إلى أن تكون طرفًا مسؤولًا يحفظ التوازن الوطني حين تختل المعادلات.
من أبرز الثوابت التي تمسكت بها الجبهة عبر عقود، موقفها الواضح من منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الجامع، والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لم يكن هذا الموقف شكليًا أو انتقائيًا، بل نابع من إدراك عميق بأن تفريغ المنظمة من مضمونها، أو تجاوزها لصالح أطر بديلة، هو ضرب مباشر للمشروع الوطني الفلسطيني، ومحاولة لفصل الشعب عن مرجعيته الشرعية والجامعة.
وبينما انساقت بعض القوى نحو خطابات بديلة أو تقويضية، حافظت الجبهة على خطاب سياسي رصين، يدعو إلى إصلاح المنظمة من داخلها، وتوسيع تمثيلها، وتفعيل مؤسساتها لا هدمها. وهذا الموقف، في سياق التهشيم المتكرر للمنظمة، يُسجَّل لها كموقع وطني مسؤول.
كان ومازال للجبهة أدوار وطنية مفصلية ملموسة في أكثر من ساحة. في فلسطين المحتلة، انخرطت في العمل الجماهيري والنقابي والمجتمعي. وفي لبنان، كان حضورها واضحًا في دعم قضايا اللاجئين، ورفض مشاريع التوطين، والمطالبة بحقوق مدنية وإنسانية لا تتعارض مع الحق بالعودة، بل تعزّزه.
كما برزت الجبهة في مواقفها الاجتماعية الداعمة لكافة فئات شعبنا الفلسطيني، وفي دفاعها عن تلازم النضال السياسي مع العدالة الاجتماعية، وهي مسألة غاية في الأهمية.
في الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقتها، من الطبيعي أن تُوجَّه التحية لأمين عام الجبهة الدكتور أحمد مجدلاني، وقيادتها وكوادرها الذين واصلوا العمل بصمت ومسؤولية رغم كل ما واجهته الحركة الوطنية من أزمات. كما يستحق أسرى الجبهة وجرحاها كل التحية، فهم الشاهد الحيّ على أن هذا الخيار لم يكن نظريًا، بل دُفع ثمنه من اللحم الحيّ. أما شهداؤها، فهم ليسوا أرقامًا في السجلات، بل جزء من الذاكرة الفلسطينية الحيّة، ومن نسيج نضال وطني واسع.
قد لا تكون جبهة النضال الشعبي في طليعة العناوين الإعلامية، لكن موقعها الوطني بارز وواضح، وموقفها من المشروع الوطني الفلسطيني غير ملتبس. ويبرز دور الجبهة كواحدة من القوى التي لم تفرّط في المضمون والمعنى، ولم تتنازل عن الدور الريادي والمتقدم، حتى وإن لم تكن في مركز الضوء.
جبهة النضال الشعبي الفلسطيني ليست فصيلًا يستعيد تاريخه فحسب، بل مكوّن لا يزال يشكّل ضمانة رمزية وأخلاقية بأن الانتماء لفلسطين يبدأ من صون واحترام الذاكرة، والدفاع عن المنظمة، والتمسك بوحدة شعبنا الفلسطيني وهويته الوطنية وتقرير مصيره. المجد للشهداء، التحية للأسرى والجرحى، ولكل من اختار أن يظل في الخندق الفلسطيني دون حسابات ضيقة أو رهانات عابرة.
* اعلامي لبناني

Exit mobile version