الرئيسية زوايا أقلام واراء جائزة نوبل للسلام… حينما تصبح الحرب طريقاً إلى “التكريم ..” بقلم: سارة...

جائزة نوبل للسلام… حينما تصبح الحرب طريقاً إلى “التكريم ..” بقلم: سارة عليان

منذ تأسيسها عام 1901، حملت جائزة نوبل للسلام رمزية إنسانية عميقة. فقد كانت تكريمًا لأولئك الذين أسهموا في إحلال السلام العالمي، سواء عبر إنهاء النزاعات، أو تعزيز حقوق الإنسان، أو دعم العمل الإنساني. من مارتن لوثر كينغ إلى نيلسون مانديلا، ومن الأم تيريزا إلى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، بقيت الجائزة رمزًا للنضال الحقيقي من أجل عالم أكثر عدلًا وإنسانية.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت هذه الجائزة، التي يفترض أن تعلو فوق الحسابات السياسية، تدخل تدريجيًا في لعبة المصالح والتحالفات، بعيدًا عن القيم والمبادئ. وآخر مظاهر هذا التسييس، ترشيح رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الصادر بحقه مذكرة اعتقال اممية بتهمة ارتكابة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لصديقه وحليفه في العدوان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام.

روج ترامب لنفسه كرئيس جاء لـ”صنع السلام”، ولعب دورًا في توقيع اتفاقيات تطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية في إطار ما يعرف بـ”اتفاقيات أبراهام” التي جاءت على حساب القضية الفلسطينية، حيث تمت مكافأة الدول المطبعة بتسهيلات عسكرية واقتصادية أمريكية. ومنذ دخوله عالم السياسة، تعامل ترامب مع قضايا الشرق الأوسط بمنطق “الصفقات” لا المبادئ متجاهلاً قرارات الأمم المتحدة. وخلال الفترة القصيرة من ولايته الثانية، لم يوقف أي حرب قائمة، بل على العكس، أشعل حربًا دموية مع إيران استمرت 12 يومًا. بدأت هذه الحرب بعملية عسكرية إسرائيلية واسعة ضد مواقع إيرانية نووية، وسرعان ما تدخل الحليف الأمريكي لمساندة إسرائيل، مما أدى إلى مقتل مئات المدنيين، وزاد من حدة التوتر في الشرق الأوسط.

فكيف لرئيس يبدأ ولايته بإشعال نزاع إقليمي واسع أن يكون مرشحًا لجائزة يفترض أن تكرّم صانعي السلام لا مَن يشعلون الحروب؟

الأكثر إثارة للجدل أن هذا الترشيح جاء من بنيامين نتنياهو نفسه، الذي وُجهت له اتهامات من محكمة العدل الدولية في اواخر ٢٠٢٤ بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني وصدرت مذكرة باعتقاله. نتنياهو، الذي يقود منذ أكتوبر 2023 حربًا مدمرة ضد قطاع غزة، تسببت في عشرات الألاف من القتلى والجرحى غالبيتهم من النساء والاطفال وتدمير البنية التحتية للقطاع، يبدو بعيدًا كل البعد عن كونه صوتًا للسلام أو للإنسانية.

عندما حصل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على الجائزة عام 1994، كان ذلك تتويجًا لمسار تفاوضي طويل وشاق، تَحَمَّل فيه عرفات ضغوطًا هائلة، وقدم تنازلات مؤلمة في سبيل تحقيق سلام شامل، رغم أن هذا السلام لم يتحقق كاملًا حتى اليوم.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُطرح فيها أسئلة حول نزاهة الجائزة. ففي 2009، حصل باراك أوباما عليها بعد أشهر فقط من دخوله البيت الأبيض، دون إنجاز ملموس, واليوم، مع طرح اسم ترامب، بعد حربه الجديدة مع إيران، يصبح السؤال مشروعًا: هل تحولت جائزة نوبل للسلام إلى مجرد مكافأة سياسية بين الحلفاء؟ وهل فقدت قيمتها الأصلية، وباتت تمنح لمن يملك النفوذ لا لمن يصنع السلام؟

أليست الجائزة، كما نصت وصية مؤسسها ألفريد نوبل، مخصصة لأولئك الذين يبذلون جهوداً كبيرة في تعزيز السلام العالمي ومنع الحروب.

حتى الآن، لم تُعلن اللجنة قرارها النهائي. لكن مجرد طرح اسم ترامب، بعد إشعاله حربًا، يكفي لطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل الجائزة، ومصداقيتها، ومعايير اختيار الفائزين بها.

ربما لم تعد جائزة نوبل للسلام تحمل معنى السلام فعلًا. بل باتت، للأسف، في خطر حقيقي من أن تفقد رمزيتها وقيمتها الإنسانية.

Exit mobile version