الرئيسية زوايا أقلام واراء هل تكتب تحولات المزاج العالمي النهاية السعيدة؟ بقلم: خليل حمد

هل تكتب تحولات المزاج العالمي النهاية السعيدة؟ بقلم: خليل حمد

 

فتحت الأمم المتحدة أبوابها وآذانها لسماع صوتٍ يتحدث عن القضية الفلسطينية دون تضليل أو ادِّعاء، مؤتمر يدعم تنفيذ حل الدولتين اختتم أعماله في مقر المنظمة الأممية بنيويورك، على الأراضي الأمريكية، بقيادة المملكة العربية السعودية وفرنسا، ومقاطعة كلٍّ من “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية.  فيما تحدث ممثلو أكثر من 120 دولة بكامل الحرية على مدار يومين عن القضية الأهم في العالم، وأن يؤكدوا على أساسيات حلِّها.

المؤتمر يشكل “لحظة حاسمة” ليس فقط للشرق الأوسط، وانما لجميع دول العالم، وفقاً لتصريحات ممثلة الاتحاد الأوروبي عضو المفوضية الأوروبية مسؤولة المتوسط دوبرافكا سويسكا، عشية انعقاد الاجتماع. وفي التوصيف أصابت السياسية الأوروبية فعلاً. اللحظة الحاسمة هنا ليست في البيان الختامي فقط، بل في تفاصيل الانعقاد أيضاً: على الأرض الأمريكية (ولو كانَ ضمن مقر الأمم المتحدة)، وبرئاسة دولة أوروبية عريقة كفرنسا إلى جانب السعودية بوزنها الكبير عربياً وإسلامياً، ما يعني أن كلاً من أوروبا والعرب يريدون استعادة الدور الذي سلبتهم إياه الإدارات الأمريكية المتعاقبة تدريجياً إزاء حل القضية الفلسطينية. المؤتمر أيضاً يمثل إشارة هامة إلى أن الصمت عن استمرار جرائم الإبادة والتهجير في غزة لم يعد خياراً سهلاً بالنسبةِ لمَن تمثلهم قائدتا المؤتمر.

حمل البيان الختامي للمجتمعين عودة إلى المفردات التي حاول الإسرائيلي والأمريكي تغييبها لسنوات عن واقع القضية وخيارات حلِّها. أبرز الطروحات كانت في عنوان المؤتمر: «التسوية السلمية لمسألة فلسطين وتنفيذ حل الدولتين». طرحان يغيِّبهما الإسرائيلي باتباعه أسلوب القتل والتهجير والإبادة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة، وباستهدافه الممنهج للسلطة الوطنية الفلسطينية، لإضعافها وربما “إلغائها” والزعم بعد ذلك أن “لا شريك حقيقاً لاستئناف المفاوضات” وصولاً إلى نسف الحلول المنطقية للصراع المستمر. نجح المؤتمر في “إنقاذ حل الدولتين الذي كان في خطر”، كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في ختام أعمال المؤتمر.

ومن نقاط البيان الختامي التي يجب التوقف عندها أيضاً، التأكيد على وحدة الأراضي الفلسطينية التي يحاول الإسرائيلي منذ سنوات فصلها، بين غزة والضفة.

في البيان تأكيد على ضرورة أن تكون الأراضي الفلسطينية تحت سلطة حكومة واحدة تتحمل كافة مسؤولياتها في حماية مواطنيها والدفاع عنه، وضرورة حصر السلاح بيدها. فكرة من شأنها بالتأكيد أن تقطع الطريق أمام ذرائع الاحتلال لاستمرار حرب الإبادة في غزة، رغم أن حكومة بنيامين نتنياهو في تل أبيب لا تستطيع استخدام هذه الذريعة في الضفة الفلسطينية التي تعاني جرائم يومية بل لحظية، من الاقتحامات والاعتقالات والإعدامات الميدانية، إلى المستوطنات غير الشرعية، إلى استراتيجية الخنق الاقتصادي ذاتها التي تُمارس على غزة.

اتفاق المجتمعين على إطار زمني لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما حددوه بـ 15 شهراً، أي عام وثلاثة أشهر من تاريخ صدور البيان، والزام هذه الدول “باتخاذ خطوات محدَّدة زمنياً لتنفيذ حل الدولتين”. ويبرز سؤالان هنا: ما هي الخطوات التي يمكن أن تتخذها هذه الدول قبل نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2026 (موعد انقضاء 15 شهراً)؟ وماذا يمكن أن تفعل هذه الدول إذا لم تلتزم “إسرائيل” بالوصول إلى حل الدولتين (وليس متوقعاً التزامها)؟

ننتظر جواب السؤال الثاني حتى انقضاء المهلة، ولن نخوض في مجال استباق الأحداث والأفعال. لكن الجواب على السؤال الأول يبدو سابقاً للمؤتمر. إعلان دول أوروبية كبرى عزمها الاعتراف بدولة فلسطينية قد يكون جزءاً من “الخطوات المحددة زمنياً لتنفيذ حل الدولتين”. قالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحةً إنه سيعلن اعتراف بلاده رسميا بدولة فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر المقبل. قرار مهمٌّ ويُبنى عليه إذا ما تم تنفيذه، تماماً كتلويح بريطانيا أيضاً على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن لندن ربطت الاعتراف وعدمه بشروط أربعة على تل أبيب تنفيذها:

وقف إطلاق النار في غزة فوراً وعلى نحو مستدام، والسماح بعودة المساعدات الإنسانية عبر الأمم المتحدة، والالتزام بعدم ضم الضفة الغربية، كذلك الالتزام بسلام طويل الأمد قائم على حل الدولتين. الشروط المرفوضة إسرائيلياً بالممارسة تقول:

إن الاعتراف قد يحدث.

خطوات هذه الدول، وبالتحديد التلويح البريطاني بالاعتراف بفلسطين، لاقت ترحيباً فلسطينياً وعربياً واسعاً، فهي “خطوة شجاعة” و”تعيد القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العالمي” وفقاً لتصريح عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني د. أحمد مجدلاني، الذي أكد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية “هو حق فلسطيني وتنفيذٌ لقرارات الشرعية الدولية”، قرارات لم تجد بعد طريقها للتنفيذ بسبب هيمنة القرار الأمريكي على الأمم المتحدة، وبالتالي فإن الاعتراف الفرنسي أو البريطاني إذا ما حدث، أو الإسباني والنرويجي وغيره الذي تمَّ فعلاً، سيكون دفعاً معنوياً مهماً للقضية الفلسطينية، لكنه لا يقدِّم علاجاً نهائياً للجرح النازف منذ 78 عاماً.

لكن الواضح أن مسألة “التلويح بالاعتراف بفلسطين” أو حتى “انعقاد المؤتمر في الأمم المتحدة رغماً عن الإرادة الإسرائيلية” يعكس أمراً مهماً يتعلق بتغيُّر في طريقة النظر العالمية إلى القضية الفلسطينية، ليس حكومياً فقط، بل شعبياً، وهو الأهم. المظاهرات الغاضبة الرافضة لحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد غزة مستمرة يومياً في الدول الأوروبية. كذلك انقلب سحر مواقع التواصل الاجتماعي و”العالم الذي أصبح قرية صغيرة” على الساحر الذي ابتدعه. ساهمت هذه المواقع بنقل الصورة الواضحة عن بشاعة الاحتلال وجرائمه، وعن صمود الفلسطيني وحقوقه التاريخية. ينعكس هذا التغير في المزاج العالمي من خلال تفاصيل قد تبدو هامشية لحظياً، لكنها تؤسس لما هو أهم. في الولايات المتحدة مثلاً، أفضى تغيُّر مزاج الناخب الأمريكي إلى إيصال مرشَّحَين مسلمَين للمنافسة على مقعَدَي عمدة نيويورك وعمدة مينيابوليس.

أهمية هذا الترشيح تكمن في أن خلفيَّة المرشحَين المسلمة، وأحدهما من أصول عربية، تعكس نظرة مسبقة لموقفهما من القضية الفلسطينية، إضافة إلى أن زهران ممداني المرشح لعمدة نيويورك قالها صراحة: ” في حال فوزي سأسعى لإصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو”. هذا كله لم يمنع من أن يصبحا منافسَين جدِّيين على المنصبَين، ووصل الأمر لدرجةأن يحذِّر الخبير والمستشار السياسي الإسرائيلي الحاخام هانك شاينكوف مما أسماه “تهديداً خطيراً” يواجه أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل، متوقِّعاً أن فوز ممداني بمنصب عمدة نيويورك سيتبعه “سقوط أمريكا”! يستشعر السياسيون الإسرائيليون خطورة تغيُّر المزاج العام الأمريكي والعالمي عموماً تجاه “إسرائيل”، لكنهم يعمون أبصارهم عن السبب الواضح: استمرار حرب الإبادة على غزة.

لا شكَّ أن صمود الفلسطينيين، وأهل غزة خصوصاً، ساهم بشكل واضح في تغير المشهد الدولي لصالح فهم جوهر القضية الفلسطينية، وأسباب الصراع التاريخية، وربما كان هذا التغيير أحد الأسباب التي دفعت دولاً كبيرة كفرنسا وبريطانيا للبدء في البحث عن حل نهائي للقضية. تدرك هذه الدول أن الوقت ليس لصالح “إسرائيل” التي تفقد تدريجياً ولكن بشكل متسارع الدعم الشعبي العالمي الذي لطالما اتكأت عليه في تبرير استمرار الاحتلال والاعتداءات. وهذا التغيير في الرأي العام العالمي مضافاً إلى اتساع مروحة الدول التي تعترف بفلسطين كدولة كاملة السيادة، يشكل “صفعة في وجه عنجهية الاحتلال”. يأمل الثابتون على الحق الفلسطيني أن تؤدي هذه الصفعة إلى مسار سياسي لإنهاء حرب الإبادة الجماعية والتجويع وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، وهو ما يجب أن يكون عليه الحال في النهاية، ففي النتيجة “لا يصح إلا الصحيح”، والصحيح هنا يتلخص بكلمة واحدة: “فلسطين”.

 

Exit mobile version