في لحظات حرجة لما تشهده القضية الفلسطينية وشعبها من ظروف مأساوية بالغة الدقة والحساسية. وفي ظل حرب ابادة يقوم بها العدو الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية ذهب ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين بين شهيد ومصاب وتشريد مئات الالاف منهم , ترافق ذلك مع حملة ممنهجة تهدف الى طرد وتهجير ابناء غزة من ارضهم وديارهم مع حديث لضم غزة والضفة الغربية الى “إسرائيل” . جاء مؤتمر حل الدولتين الذي عقد في نيويورك ولمدة يومين متتاليين وبدعوة من المملكة العربية السعودية وفرنسا وبمشاركة واسعة من دول كبرى من كل قارات العالم ليمثل من الناحية العملية ارادة دولية واسعة الطيف، ويعكس مواقف تعبر من حيث المحتوى عن ارادة دولية تؤكد حق الشعب العربي الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة على ارضه التاريخية فلسطين وعاصمتها القدس.
وهذا يعود بنا للقول أن اعادة طرح قضية حل الدولتين ليست بالمسألة الجديدة فهي سعي لتنفيذ القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في تشرين الثاني لعام 1947 والذي يحمل الرقم 181 والذي نص على تقسيم فلسطين بين العرب واليهود ولم تلتزم إسرائيل به , وتنكرت لمندرجاته هو والقرار 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم أو التعويض لهم عن ممتلكاتهم أن لم يرغبوا بالعودة, والذي جاء بالتزامن على قبول اسرائيل عضوا في الامم المتحدة شريطة تنفيذها للقرارين المذكورين وإلا ستفقد عضويتها في المنظمة الدولية ما يعيد الى طاولة البحث والنقاش امكانية طرح بقاء عضويتها في الامم المتحدة الى جدول اعمال الجمعية العامة وهذه المسالة تقع على عاتق المجموعة العربية أو اي دولة عضو في الأمم المتحدة.
انعقاد هذا المؤتمر وما خلص اليه من نتائج أمر على درجة عالية من الأهمية لما يحظى به من متابعة خلاصاته ونتائجه وتشكيل تيار دولي واسع لطرحه على جدول اعمال الجمعية العامة سيما وان اكثر من 127 دولة شاركت فيه اضافة الى ان أكثر من 145دولة تعترف بدولة فلسطين , وما زاد من زخم الاعتراف بإعلان الرئيس الفرنسي ماكرون منذ عدة ايام نية فرنسا بالاعتراف بدولة فلسطين في ايلول القادم والذي وصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انه “ضرورة أخلاقية وسياسية” , وكذلك حديث رئيس وزراء بريطانيا عن ذلك ,وهو أمر على درجة عالية من الاهمية لجهة موقع الدولتين في المشهد الدولي وانهما عضوين دائمين في مجلس الأمن , اضافة الى ان بريطانيا كانت الحامل التاريخي لفكرة قيام “إسرائيل” من وعد بلفور عام 1917 وهي التي انتدبت الى فلسطين وتحملت تاريخيا مسؤولية ذلك , ما يجعلها معنية سياسيا وقانونيا واخلاقيا بقضية احقاق حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة, وهذا له دلالاته الواسعة وتأثيره في الدفع باتجاه انجاز حل الدولتين .
وما من شك أن تتصدر المملكة العربية السعودية وفرنسا لحمل لواء ذلك المشروع ما يعطيه زخما” قويا” لجهة ما تمثله السعودية من ثقل عربي ودولي وعلاقات واسعة وفاعلة في المشهد الدولي وقدرة على التأثير في الموقف الأمريكي الذي يعتبر الحامل والحامي والداعم لإسرائيل, والقادر الوحيد على التأثير في مواقفها السياسية في ظل مشهد دولي غير متوازن وموازين قوى متأرجحة يبدو فيها الأميركي سيد الموقف, الا أن ردود الفعل الاسرائيلية كانت غاضبة ومستنكرة لانعقاد المؤتمر الذي وصفته ب” تسونامي” ضدها وباتت تتهم الدول الاوربية بمعادة السامية وهي التهمة الجاهزة للصقها بأية دولة تقف في مواجهة ذلك الكيان وسياساته العدوانية وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني الأعزل ومحاولات اسرائيل طمس حقوقه التاريخية عبر اتباع سياسة التهويد والضم والطرد ولاسيما ما اقدم عليه الكنيست الاسرائيلي قبل عدة ايام من اتخاذه لقرار بضم الضفة الغربية المحتلة والحديث عن ضم اجزاء من غزة لجهة ابتلاع كل ارض فلسطين في تحد للإرادة الدولية المعبر عنها بجملة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عن تفعيل ذلك المؤتمر وزيادة وتيرة زخمه.
بالتوازي مع استمرار نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته البطولية في غزة والضفة الغربية مع انكشاف صورة العدو امام الراي العام العالمي بإجرامه وارتكابه جرائم ضد الانسانية واحالة قادته امام محكمة الجنايات الدولية بوصفهم مجرمي حرب اضافة لاتساع دائرة التأييد الدولي لحق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ماهي الا مؤشرات حقيقية على ان نضال الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه هو حق مشروع على إنهاء الاحتلال وتجسيد قيام دولة فلسطين المستقلة وذات السيادة وطريقا أفضل يؤدي الى سلام وأمن وازدهار مشترك .
يبقى الأهم دعم مقاومته تلك من قبل الدول العربية ودول العالم الحر والتوافق على «خريطة طريق» هدفها زيادة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وبذل مزيد من الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب والكارثة الإنسانية في غزة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يجعل الامل بتحقيق الحلم الفلسطيني في الحياة والكرامة أقرب للتحقق أكثر من اي وقت مضى، ويعزز الأمل بان التضحيات التي قدمها ابناء فلسطين لم تذهب هباء منثورا.
