لا تمرّ لحظة في تاريخ فلسطين دون أن تحمل وجعًا أو أملًا، نكبة أو انتفاضة، حزنًا على ما فات وإصرارًا على ما هو آت، في وطنٍ لم يعرف الاستقرار منذ أن فُرض عليه مشروع الاغتصاب والاقتلاع، يقف الفلسطينيون على أعتاب مرحلة مصيرية، تطرح عليهم سؤالًا وجوديًا: أيّ مصير ينتظر هذا الشعب الذي لم ينكسر؟
ذاكرة مثقلة ومشروع ناقص
منذ عام 1948، لم يكن الفلسطيني ضحية النكبة فقط، بل ضحية استمرارها. فيما تتوالى النكبات، تتجدد بأساليب مختلفة، وتُغلف بلغة دبلوماسية باردة تُخفي ما هو أسوأ من العنف: محاولة شطب الهوية. بين احتلال عسكري مباشر، واستيطان زاحف، وانقسام داخلي مؤلم، وانشغال عربي متصاعد عن جوهر القضية، يعيش الفلسطيني حالة من الحصار المركب: سياسي، واقتصادي، ومعنوي.
ورغم كل ذلك، ما تزال القضية الفلسطينية قضية حيّة في وجدان شعوب كثيرة، وما يزال الشعب الفلسطيني يحتفظ بعناصر الصمود، لا سيما في القدس وغزة والضفة والشتات. لكن هذه الحيوية قد لا تكون كافية، إذا لم تترافق مع مشروع وطني جامع يعيد تعريف الوجهة والمسار.
الانقسام والضياع الوطني
لا يمكن الحديث عن المصير الفلسطيني من دون التوقف عند الانقسام السياسي، ليصير أكثر من مجرد خلاف بين حركتين. بل بات تعبيرًا عن غياب المشروع الجامع، واستعصاء النظام السياسي الفلسطيني على الإصلاح. وفي الوقت الذي تتهدد فيه القدس بالمحو، وتُخنق فيه غزة، وتُبتلع فيه الضفة، تنشغل النخب السياسية في حروب سلطوية صغيرة لا تليق بعظمة القضية ولا بتضحيات شعبها.
الأخطر من ذلك أن الانقسام يُفقد الفلسطينيين أوراق القوة في مواجهة التحديات القادمة: من مشاريع التطبيع، إلى تكريس الاحتلال كأمر واقع، وصولًا إلى تغييب الفلسطيني عن أي تسوية محتملة، أو فرض حلول نهائية لا تحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية.
ويبقى السؤال هل يملك الفلسطينيون فرصة لإعادة الإمساك بمصيرهم؟ الجواب نعم، ولكن بشروط صارمة وواضحة. أولها، إنهاء الانقسام السياسي فورًا دون حسابات فئوية. ثانيها، إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتمثيلية، باعتبارها الكيان المعنوي الجامع للفلسطينيين في الداخل والشتات. ثالثها، الاستثمار في القوى الشبابية والثقافية والشعبية التي ما زالت تقدم نماذج باهرة في الوعي والمقاومة والتجديد.
إن إعادة الإمساك بالمصير الفلسطيني تمر عبر إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني باعتباره مشروع حرية وعدالة وكرامة وعودة.
المصير ليس قَدَرًا
المصير ليس شيئًا ينتظرنا عند نهاية الطريق، بل هو ما نصنعه في كل يوم، في كل موقف، في كل خيار. والفلسطيني الذي كتب حكاية التحدي على جدران المخيم، وواجه أعتى قوة عسكرية بأبسط أدوات الحياة، لا يُنتظر له مصير، بل يكتبه بيده.
فلسطين لا تزال على الخريطة، لا لأن العالم يريد ذلك، بل لأن شعبها يرفض أن يُمحى. والمصير الذي ينتظر الفلسطينيين ليس في يد أحد، إلا في يدهم. فإما أن يكونوا كما عهدناهم شعبًا يليق بالنصر والحرية، أو يُتركوا نهبًا لخرائط التصفية والتفكك.
لكننا نعرف هذا الشعب… وهو لا يترك مصيره للريح.
*إجازة في الآداب – جامعة دمشق* قسم التاريخ – ناشط سياسي
