الرئيسية زوايا أقلام واراء نداء عاجل: الوقت من دم والتاريخ لن يرحم .. بقلم: د. محمد...

نداء عاجل: الوقت من دم والتاريخ لن يرحم .. بقلم: د. محمد الحافي

كيف يمكن وقف هذه المقتلة البشعة بحق الشعب الفلسطيني في غزة؟! سؤال يلخص أي جهود وطنية أو ممارسات سياسية وحزبية، وهو الهدف والمعيار الذي يحكم على مدى وطنيتها.

منذ قرابة عامين وشعب غزة يقتل ويُجوَّع وتُرتكب بحقه مجازر وابادة جماعية، وهو لم يكن أصلا جزءًا من قرار الحرب، رغم ذلك سطَّر أسطورة في الصمود ورفض تمرير المخططات الاسرائيلية والأمريكية. غير انَّ هناك لبسًا عند قيادة حركة حماس فيما يخص معايير الصمود والنصر والهزيمة في الحالة الفلسطينية.

تتفرد حركة حماس بملف المفاوضات باسم المقاومة الفلسطينية، وهي في الواقع مفاوضات حمساوية إسرائيلية، بيانات الحركة تعلن أنها قادرة على الصمود والاستمرار في حرب استنزاف مع إسرائيل، فيما تستمر تضحيات شعبنا ومأساته التي لا تصفها كلمات. فهل موقف الحركة يستند للأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني؟ وما التكلفة التي يدفعها الشعب والقضية جراء الانقسام واحتكار حماس للمفاوضات؟ ولماذا لا تدار المفاوضات ضمن إطار وطني شرعي ومعترف به دوليا؟ خصوصا بعد مصادقة الكابينيت في ٧ اغسطس على خطة نتنياهو لاحتلال غزة.

المطالبة بوقف الحرب لا يعني التنازل للعدو، الأهم هو سحب الذرائع من الاحتلال للاستمرار في الإبادة والتهجير وضم الارض. كيف نفهم حديث قيادة حماس عن الصمود من داخل مطاعم وفنادق، وما هي مقوماته؟! لسنا بصدد كيل اتهامات، وأطفال غزة تموت جوعا، ونساء غزة تفترش الشوارع، وشباب غزة تراق كرامتهم، في حالة يصبح فيها كيس الدقيق أهم من إنقاذ روح أو نقل شهيد، وتترسخ قيم الغاب؛ حيث يحصل الأقوى فقط على الطعام. وأعداد الشهداء تتزايد جراء الجوع والمرض، الحرب وتبعاتها أكبر بكثير من أن تحتمل، والشعب في غزة أصبح مجهول المصير مهدور الدم والكرامة، حين يواجه البطش الإسرائيلي، وقسوة الظروف وتوحش التجار والبلطجية واللصوص.

وهنا يبرز سؤال هام، هل تحرير عدد من الاسرى على اهميته يوازي أعداد الشهداء؟ هل الاستمرار والتمسك في حكم غزة يعادل الأيتام والثكلى والأرامل؟ خلال حرب ٢٠١٤ ومفاوضاتها اتهمت حماس ممثلي منظمة التحرير والوسيط المصري بالضغط عليها وإضعاف موقفها، فماذا أنجزت لشعبنا هذه المرة وهي تحتكر ملف المفاوضات؟! في المقابل، تتصيد إسرائيل الذرائع لتمرير مخططاتها، وهي تعلن نيتها ضم أجزاء من غزة، وإن حدث ذلك فلن تخرج منها، وتصادق على تصعيد العمل العسكري. وماذا ستفعل حماس إذا ما أقدمت إسرائيل على تهجير سكان غزة للجنوب وضم شمال غزة او استيطانه؟

المعيار الوطني ليس بقاء حماس في حكم غزة، بل بقاء الشعب فيها. والمعيار الحقيقي للصمود أن يتقاسم شعبنا الرغيف، لا أن يتحول جزء منه لمغامرين ومستغلين او متسولين معدومي الكرامة ومجهولين المصير. حفظ أرواح وصحة وتعليم الأطفال في غزة أهم هدف وطني. قد يكون التنازل للعدو هزيمة، لكن التنازل لمنظمة التحرير الفلسطينية أو لحاضنة عربية ليس هزيمة، وبالمناسبة مطالب منظمة التحرير في مفاوضاتها كانت أعلى بكثير من سقف ما تتفاوض عليه حركة حماس اليوم. فلماذا لا تترجم الشعارات الوطنية التي تطلقها قيادة حماس لمصالحة سياسية وتشاركية في الموقف والتفاوض والقرار الفلسطيني؟ أم لا زالت حركة حماس تتهم الفصائل الوطنية ومنظمة التحرير بالخيانة؟ ولماذا لا تخرج الفصائل الفلسطينية لتوضيح موقفها ورؤيتها المستقلة مما يحدث ومما وصلت إليه مفاوضات التهدئة؟ أين حركة فتح  أين الجبهتان الشعبية والديمقراطية، وباقي الفصائل؟ أين الشارع الفلسطيني وقواه الحية من نخب ومثقفين وعمال ومهنيين؟

على حماس أن تدرك أنها تتحمل مسؤولية وطنية وتخوض لحظة تاريخية قد يكون ثمنها ضياع الإنسان والأرض والقضية الوطنية برمتها.

ليس هناك وقت أو مكان للحزبية المقيتة أو الاجندات الخارجية، هناك ضرورة لأن تسلم حماس جميع الملفات الإدارية والمجتمعية للسلطة الوطنية او على الاقل لهيئة او لجنة متوافق عليها فلسطينيا وعربيا، لسحب كل الذرائع من إسرائيل ومعالجة المآسي الطارئة التي تعصف بشعب غزة جراء القتل والتجويع. والعودة للخطة المصرية المدعومة عربيا ودوليا والالتزام بمخرجات مؤتمر حل الدولتين المنعقد مؤخرا في نيويورك، والاستفادة من التحركات الدولية المساندة للقضية الفلسطينية، وإن تأخرت حماس في وضع إنجازها العسكري في سياق وطني فلا يجب أن تتأخر أكثر.

فليس معقولا أن تحكم حماس على الشعب والقضية الوطنية من منظور مصالحها الحزبية أو ارتباطاتها الخارجية في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية. إصرار حماس على احتكار التفاوض على كل الملفات يعقد المشهد، ويعطي إسرائيل الذريعة للتنصل من جرائمها، فلماذا لا تكتفي حماس بالتفاوض على ملف الأسرى وتترك باقي القضايا للمرجعيات الشرعية الفلسطينية

غزة مثال الانتماء وخزان الثورة ومفجرة الانتفاضات ضد الاحتلال ومخططاته، لا تستحق أن تمحق عن بكرة أبيها ويهجر سكانها. وطنية حماس تختبر الآن في مدى انتمائها ومسؤوليتها الوطنية تجاه غزة ومصير شعبها، وغير ذلك من خطابات وشعارات لن يصبر عليها الشعب طويلا. فلتبادر حركة حماس لخطوة حقيقية تجاه شعبها وتجاه المكونات السياسية والمجتمعية الأخرى ضمن إطار وطني جامع؛ لأن المسؤولية تاريخية والمهمة ثقيلة واللحظة تساوي أرواح.

*أكاديمي وباحث سياسي

Exit mobile version