النضال الشعبي تدعو لإيجاد حلول لنقص المياه بالضفة والضغط على الاحتلال لوقف سرقتها
تعطيش الضفة: إسرائيل تنهب نحو 90% من مياه الفلسطينيين وتبيعهم جزء من احتياجاتهم بسعر مرتفع
64 اعتداء منذ بدء العدوان: هجمات المستوطنين وجيش الاحتلال على الينابيع والابار وبنى المياه التحتية تفاقم الازمة
تقرير – نائل موسى /رغم تجاوز فصل الصيف الذي تتذرع به سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات لتقليص الامدادات ذروته فلكيا، ماتزال رام الله والبيرة خصوصا ومحافظات الضفة غموما، تعاني من أزمة مياه بلغت حد العطش في كثير من القرى والبلدات تفاقمت الأسبوع الماضي مع تقليص شركة “ميكوروت” الإسرائيلية مجددا، 30,000 متر مكعب اضافية من المياه بالخط الرئيسي المزود لمحطة رام الله، التي تشهد اعتداءات مستوطنين على آبار عين سامية، المصدر الرئيسي للمياه في المنطقة.
ويؤكد مواطنون ان المياه باتت تصل منازلهم مرتين شهريا في أحسن الأحوال، وفي اغلب الأوقات يكون الضخ منخفضا لدرجة لا تصل معها المياه الى الاحياء والمنازل المرتفعة، رغم الاستعانة بخزانات وموتورات الضح، ما يدفع الى شراء المياه عبر صهاريج تبيع الكوب الواحد بعشرة أمثال ثمنه عبر الشبكة رغم عدم التيقن من مصدره ومدى ملائمته للشرب والطهي والاستهلاك المنزلي تجبر الاسر على الاعتماد على المياه المعبأة، في قضية متشابكة تعيد المياه وسيطرة الاحتلال عيلها والتحكم بها الى الواجهة.
والى جانب عوامل موضوعية وفنية وطبيعية أخرى، يحمل الفلسطينيون الاحتلال الإسرائيلي نصيب الاسد المسؤولية عن استمرار ازمة المياه وتفاقمها بالسيطرة على مواردها وسرقتها لصالح مستوطنيه وإعادة بيع ما فاض منها لأصحابها بأثمان مرتفعة، في انتهاك سافر لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة خصوصا بسيادة الشعب الفلسطيني على مورده الطبيعية وفي المقدمة منها حقوقه المائية.
ويسطر الاحتلال على نحو 85% -90% من مصادر المياه الجوفية والسطحية في الضفة، ويتنكر لحق الفلسطينيين في الاستفادة من مياه نهر الأردن والينابيع المشاطئة للبحر الميت كدولة مشاطئة، ويحد من الاستفادة من مياه ، ما يدفع الفلسطينيين إلى اللجوء للمياه الجوفية، وشراء 85 مليون متر مكعب سنوياً وبسعر مرتفع رغم كونها مياه فلسطينية تسرقها علنا إسرائيل بل وتتحكم في حجم الامدادات بطريق تفاقم الازمة صيفا.
ويقول مواطنون في بلدات شمال وغرب رام الله ان منازلهم محرومة من المياه عبر الشبكات منذ للشهر الثالث جراء انقطاع الامدادات وضعف الضخ الذي يجري وفق برنامج توزيع يقولون انه في كثير من المناطق لا يقوم على عدالة التوزيع ما يجبرهم على شراء المياه بواسطة صهاريج متنقلة يصل ثمن الواحد منها 400 شيقل يكفي لأسبوعين، وهو مبلغ يمثل ضعفي الى ثلاث اضعاف فاتورة المياه من مصلحة مياه محافظة القدس الشهرية، الى جانب الاضطرار الى شراء زجاجات المياه الصحية للشرب والطهي في ظل ازمة اقتصادية وبطالة وارتفاع غير مسبوق في نسب ومعدلات الفقر وانقطاع رواتب الموظفين العموميين.
وتشير معطيات الجهاز المركزي للإحصاء، الى اعتماد فلسطين بشكل أساسي على المياه المستخرجة من المصادر الجوفية والسطحية، والتي تبلغ نسبتها 76.4% من مجمل المياه المتاحة، ويبلغ عدد الآبار الفلسطينية حوالي 400 بئر جوفي، تتركز معظمها في محافظات قلقيلية وأريحا وطولكرم، وبعدد أقل بالخليل وبيت لحم.
وتوجد ثمانية أحواض للمياه الجوفية في فلسطين التاريخية، تقع أربعة منها في أراضي عام 48 (طبريا وغربي الجليل والكرمل وأحواض النقب)، والأخرى تقع كلياً أو جزئياً في الأراضي المحتلة عام 1967؛ في الضفة الغربية (الأحواض الشمالية – الشرقية والشرقية والغربية)، وفي قطاع غزة (الحوض الساحلي)
ويقدر أمير داود، مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، كمية المياه التي توفرها الأحواض الثمانية بنحو 2,989 مليون متر مكعب سنوياً، يأتي منها 1,454 مليون متر من المياه الجوفية، و1,320 مليون من مياه نهر الأردن السطحية، و215 مليون متر مكعب من مياه الأمطار، لكن الاحتلال يستغل من هذه المصادر 89.5%، مقابل 10.5% فقط يتشاركها مع الفلسطينيين.
والمياه كانت احدى قضايا الوضع النهائي ضمن اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل، وفق اتفاقية أوسلو التي أقرت أن الفلسطينيين يستخدمون 118 مليون متر مكعب من أحواض المياه الثلاثة في الضفة من أصل 700 مليون متر (القدرة المتجددة لهذه الأحواض). وأقرت أيضاً أن الفلسطينيين بحاجة إلى 70-80 مليون متر مكعب إضافي من الحوض الشرقي أو أحواض أخرى يتفق عليها الطرفان حتى العام 1999.
وتشير الأرقام الى ان كميات المياه المتاحة للفلسطينيين من المصادر الجوفية تراوح مكانها رغم التزايد السكاني وازدياد متطلبات التنمية، فيما تبلع حصة الفلسطيني اقل بمقدار الربع عن الحد الأدنى المتعارف عليه دوليا – 120 لتر-فيما يستهل المستوطن 3 أضاف هذا الرقم.
وتصل تكلفة المتر المكعب الواحد من الموارد الوطنية 2.6 شيقل، بينما تتجاوز تكلفة متر المياه المشترى من إسرائيل 4 شيقل. اذ تدعم الحكومة الفلسطينية أسعار المياه على مستوى الجملة بنحو 2 شيقل لكل متر مكعب من المياه التي يتم تزويدها لمقدمي الخدمات للفلسطينيين.
ونظرا لعدم كفاية كميات المياه المتاحة من المصادر الطبيعية لتلبية كافة الاحتياجات المائية، خصوصاً في محافظات الخليل، وبيت لحم، ورام الله، يتم التوجه إلى شراء المياه من شركة المياه “ميكروت”، ما يجعل هذه المحافظات الأكثر تأثرًا بتذبذب كميات المياه المزودة، خاصة خلال أشهر الصيف”.
وتؤكد سلطة المياه الفلسطينية وهي هيئة حكومية غير وزارية تأسست عام 1995 بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية لإدارة ملف المياه في الأراضي الفلسطينية انه ولغاية الآن، لم يصل الاستخدام الفلسطيني من الأحواض إلى أكثر من 132 مليون متر مكعب من الآبار جراء السياسات الإسرائيلية، ما يضطر الحكومة الفلسطينية إلى شراء 85 مليون متر مكعب سنوياً من الاحتلال الإسرائيلي.
ويؤكد الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه اعتماد فلسطين، بشكل أساسي، على المياه المستخرجة من المصادر الجوفية التي تبلغ نسبتها 73.1% من مجمل المياه المتاحة، والتي بلغت 399.7 مليون م3 (إجمالي المياه الجوفية المستخرجة 289.63 منها 135.1 مليون م3 في الضفة، أما في قطاع غزة فيتم استخراج 154.53 مليون م3، منها 97% تعتبر غير صالحة للاستخدام الآدمي).
وفي الضفة، بلغت كمية المياه التي تم ضخها من آبار الأحواض الجوفية للعام 2023 نحو 106 ملايين م3. ويعود السبب في تراوح كميات الضخ من الآبار مكانها (زيادة أو نقصاناً بكميات قليلة سنوياً) إلى المعيقات التي يضعها الاحتلال أمام حفر الآبار وتأهيلها، وهو السبب نفسه الذي يُعزى إليه انخفاض كميات الضخ من الينابيع، يضاف إليه تزايد عمليات السيطرة وجرائم المستوطنين في ضم هذه الينابيع بصورة غير شرعية.
ويعود السبب الرئيسي لضعف استخدام المياه السطحية إلى سيطرة الاحتلال على مياه نهر الأردن، وعدم القدرة على استغلال أكثر من 165 مليون م3 سنوياً من مياه الأمطار، من خلال منعه الفلسطينيين من إقامة سدود وبرك لتجميع مياه الأمطار، حيث لا يتجاوز مجمل ما يتم استغلاله من المياه السطحية 4 ملايين م3 من سدود العوجا، والفارعة، وبيت الروش، وسد بني النعيم، ومرج صانور، وبركة عرابة، وبعض البرك صغيرة الحجم.
كما ويصعد المستوطنون وجيش الاحتلال من استهداف مصادر المياه والبنية التحتية خلال الاقتحامات المتواصلة في الضفة يفاقم الوضع المائي الصعب فيها الباحث الفلسطيني
وبحسب الباحث أمير داوود، وثق منذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023 63 اعتداء على الينابيع الفلسطينية من قبل المستوطنين، الجزء الأكبر منها تقع في مناطق الأغوار ونابلس، في الأراضي المصنفة (ج)”، واخرها وما حدث ً في تجمع مياه عين سامية القائم على أراضي بلدة كفر مالك شمال شرق رام الله إذ عملت قوات الاحتلال والمستوطنون على إخلاء الفلسطينيين من التجمع البدوي الغني بمياه الينابيع في المنطقة، التي يوجد فيها 6 آبار مياه تزود المحافظة بمياه الشرب منذ ستينيات القرن الماضي.
وتضخ مصلحة مياه محافظة القدس من آبار عين سامية وحدها تبلغ نحو 12 ألف متر مكعب تغذي 19 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا بشكل مباشر، تعتبر المياه المستخرجة منها المصدر الوحيد لتلك القرى الواقعة شمال وشرق رام الله، وبالتالي يحدث الانقطاع في هذا المصدر ُحدث فجوة كبيرة في التوزيع يصعب سدها.
وتؤكد سلطة المياه عدم قدرتها على تطوير المصادر المائية المتاحة والبنية التحتية في مناطق (ج)، والتي تمثل 61% من أراضي الضفة نتيجة السيطرة المطلقة للاحتلال الإسرائيلي عليها.
ويترافق ذلك مع تراجع كميات الامطار الى جانب قدم شبكات المياه والتعدي عليها والاستيلاء على المياه بطرق غير شرعية ما يفاقم الفاقد الذي يقدر مجتمعا بنحو 30% من اجمال ما يضخ عبر هذه الشبكات.
وتقول مصلحة مياه محافظة القدس، أن هذا النقص الكبير أحدث ضررا كبيرا في برنامج التوزيع وفاقم من حدة الأزمة. وأكدت متابعة الوضع عن كثب مع كافة الجهات واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان استقرار التزويد المائي وتقليل الأضرار على المواطنين. الذين ناشدتهم ترشيد استهلاك المياه والتعاون مع طواقمها العاملة في الميدان لضمان وصول المياه لكل المنازل.
يأتي ذلك لقرارات الأمم المتحدة المؤكدة على السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على موارده الطبيعية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية” واخرها القرار المُقدم من مجموعة الـ 77 والصين.
ويشير القرار، إلى الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وعدم قانونية استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة.
كما يؤكد “على مجموعة من المبادئ والأسس المتعلقة بالموارد الطبيعية الفلسطينية، كتطبيق لاتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على الأرض الفلسطينية المحتلة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.
ويُعرب القرار الأممي أيضا “عن القلق البالغ إزاء استغلال إسرائيل للموارد الطبيعية الفلسطينية والدمار الذي تلحقه بالأرض والزراعة الفلسطينية، والتدمير واسع النطاق للهياكل والبنى التحتية الزراعية، وبالأخص المتعلق منها بإمدادات المياه والكهرباء كذلك الآثار الضارة للمستعمرات غير الشرعية على أشكال الحياة الفلسطينية كافة”.
ويؤكد “على الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني في موارده الطبيعية” وطالب إسرائيل “بالكف عن استغلال هذه الموارد.
كما أكد حق الشعب الفلسطيني “في المطالبة بالتعويض عن استغلال إسرائيل لهذه الموارد” وأن “ما تقوم به إسرائيل من تشييد للمستعمرات والجدار وغيرها من الأعمال هي أعمال مضرة بالبيئة الفلسطينية”.
وفي تقارير سابقة، قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” خسائر الاقتصاد الفلسطيني جراء منع الفلسطينيين من استغلال المنطقة المصنفة “ج” والموارد الطبيعية فيها، بنحو 3.8 مليارات دولار سنويا.
وتنبع أهمية هذا القرار من أنه أعاد التأكيد على أحقية الشعب الفلسطيني في السيطرة على؛ وإدارة موارده الطبيعية، الأمر الذي يتماشى مع القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، هذه السيطرة هي شرط ضروري للتنمية المستدامة في فلسطين، إلى جانب إقراره بحق الفلسطينيين في المطالبة بالتعويض جراء استغلال إسرائيل لمواردهم الطبيعية أو إتلافها أو استنفادها وتعريضها للخطر بإجراءاتها غير القانونية.
وفي مواجهة الازمة وتداعياتها، دعت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني الأمم المتحدة والهيئات الدولية المختصة الى محاسبة دولة الاحتلال على سرقتها للمياه الفلسطينية، تطبيقاً لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بممارسة الشعب الفلسطيني السيادة على موارده الطبيعية، حيث تعاني مدى وقرى الضفة الغربية من أزمة مياه حقيقية، مع سيطرة الاحتلال على احتياطيات المياه فيها.
وأشارت الجبهة الى أن ما تعانيه الأراضي الفلسطينية من شح في المياه وانقطاعها المستمر، يتطلب من الجهات المختصة ايجاد حلول عملية، والضغط على الاحتلال لوقف سرقة المياه الفلسطينية.
وأوضحت أن الاحتلال يسيطر على 80% من المياه الجوفية الفلسطينية، نحو 600 مليون متر مكعب، فيما تحرم سلطات الاحتلال الشعب الفلسطيني من حقوقه في المياه، عبر إقامة المستوطنات فوق احواض المياه، واعتماد هذه المستوطنات على المياه الفلسطينية، فيما يمنع حفر الآبار ويدمر منشآت المياه الفلسطينية.
ودعت الجبهة الحكومة الفلسطينية إلى فضح سرقة المياه، والمطالبة بزيادة الحصة المائية لفلسطين، والتزام الجهات المختصة بعدالة توزيع المياه.
