منذ سار اليه أهلنا مرغمين ابان نكبة عام 1948 حتى أضحى صورة وطن ومنفى في الوقت ذاته, فهو الخزان الكبير للثورة الفلسطينية المعاصرة، وعاصمة حق العودة والشتات واللاجئين في الدول العربية تلك جزء من رمزية مخيم اليرموك ميزته عن المخيمات الفلسطينية بحكم وجوده في سورية حيث تمركز فيها معظم مقرات ومكاتب القوى الفلسطينية طيلة ال50 عاما، وكان بداية انطلاقة لنضاله طيلة عقود ضد العدو الصهيوني، ومسرحا لأحلامه المسروقة ضمن بقعة أرض صغيرة، إضافة الى انه الخيمة الفلسطينية التي ظللت الغالبية من أبناء الشعب الفلسطيني في سورية على مدار سبعة عقود بحلوها ومرها…سترت المعاناة وحفظت الاحلام وجمعت الموروث وصقلت المجتمع المقتلع من أرضه كي يمتلك مقومات الصبر والصمود المطعم بالتحدي والتصدي وصنع الثورة الأعظم من أجل تحرير فلسطين.
مخيم اليرموك أصبح أهله شركاء بكل متغيرات القضية و المتغيرات في الثورة الفلسطينية، انطلاقتها ,وأيلول الأسود، وانتقال العمل الفدائي إلى لبنان، وحصار بيروت واحتلالها من الصهاينة عام ١٩٨٢م. والمنافي، وفيه تواجد الكثير من قادة الفدائيين منهم خرج الثوار لتحرير فلسطين. واليه عادوا شهداء. فيه تواجدت فصائل الثورة الفلسطينية ورموزها مثل ياسر عرفات ابو عمار وغيره الكثيرين.
المخيم للاجئ يعني قضية، مأساة اللجوء والتشريد فهو المسكن المؤقت لحين تحقيق الأمل والهدف؛ تحرير فلسطين والعودة إليها. ولعب المخيم دورا كبيرا في حفظ الهوية والذاكرة الوطنية فكان منطلقا للخلايا الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة…وإثبات للذات من خلال رفض الجريمة الصهيونية واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وطردهم الى المنافي، والتمرد على التواطؤ والتآمر والعجز الدولي، فكان شرف انطلاق الخلايا الثورية والمجموعات الفدائية الأولى باتجاه معارك التحرير.
وعلى الرغم من انعكاسات الأزمة السورية التي أرخت بظلالها على أبناء مخيم اليرموك وزجه كخاصرة وورقة ضغط من قبل مجموعات تعمل تحت أمرة الاحتلال الصهيوني بهدف تصفية القضية الفلسطينية وطمس حق العودة لاسيما أن العدوان على سورية يستهدف فلسطين، وكارثة اليرموك ضربه قوية في صميم القلب الفلسطيني، والقضية الفلسطينية. الا أن رمزية مخيم اليرموك، باتت دائمة في سردية العمل الكفاحي للمسيرة الوطنية المعاصرة، وللوطنية الفلسطينية. فقد تحوّل هذا المخيم إلى مدينة عامرة بمن فيها، وصورة حية عن فلسطين، فكل من عاش بين أزقته وشوارعه، اضافة الى أنه يملك متسعاً حياً، نابضاً، متألقاً، وافراً وغنياً، في الذاكرة الفلسطينية، وفي موسوعة الكفاح الوطني المعاصر، ومسيرة المقاومة الفلسطينية , والأهم أنه مخيم المعسكر الأول للفدائيين والبندقية الأولى، والشهيد الأول، والبلاغ العسكري الأول، ومقبرة الشهداء الأولى لشهداء الثورة الفلسطينية المعاصرة، وعدد كبير من قادتها ومفجريها، فإنه جزء أساسي من التاريخ والفعل، الذي يلخص دراما النكبة الفلسطينية وتحولاتها، كما يلخص سطوة وقوة وحضور الفلسطيني، وإنسانية ونبل هذا الشعب الذي رمت به أقدار النكبة خارج وطنه التاريخي.
مخيم اليرموك يمثل لسكانه وطناً متخيلاً، أبوابه مفتوحة على بعضها كما حكايات سكانه. ففيه تجد صور القادة والشهداء، الرموز والأبطال، وخرائط فلسطين في كل مكان فهو يعرف بعاصمة الشتات وصل عدد سكانه وفق تقارير صحافية إلى ما بين 500 و600 ألف نسمة، بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني، بينما ذكرت وكالة “قدس برس” أن عدد الفلسطينيين في مخيم اليرموك حتى عام 2011 تجاوز 220 ألف نسمة، إلى جانب 500 ألف مواطن سوري على الأقل، ليصبح المخيم بذلك جزءا أساسيا من مكونات دمشق الجغرافية والديموغرافية، وأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين ورمزا لحق العودة.
بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في سوريا، والذين قاربت أعدادهم 540 ألف لاجئ قبل اندلاع الأزمة السورية بدايات العام 2011، باتت تُقدر بنحو 250 ألف لاجئ فلسطيني فقط، وفق مصادر موثوقة، فقد غادر البلد نصفهم تقريباً في تغريبه جديدة الى دول عدة، قد تكون نهائية بعدما دُمرت تجمعاتهم ومخيماتهم، وفقدوا مصادر رزقهم، وخاصة في مخيم اليرموك الذي كان يضم نصف أعدادهم تقريباً وقد لحق الدمار بمعظم مبانيه ومرافقه، وبمنشآت وكالة الأونروا البالغ عددها نحو 28 منشأةـ.
مأساة لاجئي فلسطين في سوريا، تطفو الآن على السطح، والمؤشرات تُشير بأن أوضاعهم تتفاقم، ولم يَعُد بمقدور الكثيرين منهم البقاء تحت رحمة الغلاء، وفقدان المنازل، والتراجع في خدمات الوكالة على ضوء السعي الأميركي لتجفيف مواردها وتفكيكها، فالأونروا مازالت تقوم بدورها تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، لكن حجم الأعباء الكبيرة في ظل الشح في مصادر تمويلها وميزانيتها العامة، يجعل من مهام عملها تصطدم بالواقع الصعب والمرير
مخيم اليرموك رغم الدمار الهائل الذي طال نحو 80 بالمائة من البنى التحتية ومدارس الأونروا (32 مدرسة تعمل بنظام الفترتين)، فان العودة اليه مازالت محدودة لضعف امكانية المواطنين في اصلاح الأبنية , وغياب الدعم والإسناد المالي لسكان المخيم لإصلاح ما يمكن ترميمه. والهجرة الكبيرة لكنه سيبقى معقل ثقافي هام بدمشق، حيث عشرات النوادي والمؤسسات ودور النشر والمكتبات والمراكز الثقافية التابعة للحكومة السورية وللهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، وللفصائل الفلسطينية ولوكالة الأونروا، ليضم العدد الأكبر من مثقفي فلسطين وكتابها، وأدباءها، وفلاسفتها، ومنظريها، ومناضليها، وكوادرها، وفعالياتها، وحتى أطبائها، ومهندسيها، ومدرسيها، وجهات ذات نشاط اجتماعي.
وستبقى شوارعه ساحات للمظاهرات، والمسيرات والمهرجانات العابقة برائحة المقاومة والنصر لكل مناسبة أو مجزرة أو انتفاضة في الداخل المحتل وخارجه، عدا عن التذكير بمدن وقرى فلسطين من خلال التسميات التي يحملها كل شارع وزقاق عدا عن جدرانه المزينة بلوحات زاخرة بملصقات الشهداء، وملامحهم الجميلة، وهم يمضون إلى حتفهم وأهله الذين يحملون مفاتيح بيوتهم العتيقة، وصورة أراضيهم وصكوك ملكيتها في خزائنهم وقلوبهم، كما يحملون فلسطين في أرواحهم، ذاكرة، وهوية.
انه مخيم اليرموك الذي يعيش جدلية الألم والأمل، ألم التشرد والنزوح والمعاناة، والصبر على الشدائد، وفقدان الأحبة على مذبح المقاومة والنضال، جنبا إلى جنب مع الامل الذي لا يخفت حتى العودة ورغم مرارة النزوح ومعاناة الهجرة مجددا يبقى التمسك بالأمل هو السمة الغالبة، حيث عاد من استطاع منهم إلى المخيم، وبدأت حركة واسعة لإعادة إعماره، وإعادة شيء من نبض الحياة إلى شوارعه وأزقته، كل ذلك والأمل الأبقى والأقوى في العودة يوما ما ، إلى الوطن الام فلسطين حيث المهد والوطن والتاريخ والهوية.
