لطالما مثلت مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان خزانا وطنيا متوحدا في حفاظه على هويته الوطنية الفلسطينية،ومتمسكا بحق العودة الذي تحول في وجدانه إلى عقيدة لا تقبل النقاش أو التأويل. يولد اللاجىء وفي قلبه خارطة فلسطين وعلمها، وفي خلايا جسده عبق ترابها وعطر زيتونها، وفي عقله صورة بيته وارضه وحقله التي نقلها له الآباء والأمهات والاجداد وان ولد بعيدا عنها.
لقد دفع اللاجىء الفلسطيني منذ النكبة وعلى مدى عقود الأثمان الباهظة جزاء انتماءه والتزامه بوطنه وقضيته. فمنذ اللجوء إلى لبنان مع بداية النكبة عام ١٩٤٨ وهو يعاني من التهميش والاهمال في أغلب المجالات، بدءا بالتهميش المكاني الذي حول المخيمات الفلسطينية إلى بقع لم تعد تتسع لأهلها، وليس انتهاءا بالتهميش الاقتصادي الذي يفرض قيودا صارمة على الحق في العمل والتملك وحتى في الميراث، مما نتج عنه ارتفاعا هائلا في نسبة البطالة التي تفاقمت مع انهيار الليرة اللبنانية بالتزامن مع جائحة كورونا. كما أن ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين من كبار السن لا زالت زاخرة بصور الممارسات السيئة داخل المخيمات لعناصر ما كان يسمى بالمكتب الثاني (المخابرات) في خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل وجود الثورة الفلسطينية.
لكن رغم المعاناة، سجلت مخيمات اللجوء في لبنان اسمها على صفحات المجد في مسيرة النضال المستمر منذ النكبة، ودفعت الضريبة تلو الأخرى من دمها ووجودها دون تردد. فكان مخيم النبطية في الجنوب أول المخيمات التي تم تدميرها بالكامل واخفاؤها من الوجود عام ١٩٧٤ من قبل الطائرات الصهيونية بعدما كان قد تعرض للقصف بالطيران والمدفعية الثقيلة عدة مرات، حيث كان المخيم منذ العام ١٩٦٩ والى حين تدميره مركزا للقيادة العسكرية للثورة الفلسطينية ومنطلقا للعمل الفدائي. إنها واحدة من سلسلة عمليات الابادة الجماعية التي اعتادت عليها دولة الاحتلال منذ النكبة،حيث تناثرت أشلاء جثامين الشهداء من الأهالي على كل مساحة المخيم. اختفى المخيم وتم منع إعادة بناءه.
استمرت مخيماتنا في لبنان بدفع ضريبة الانتماء، حيث تم تدمير مخيم جسر الباشا في بيروت على أيدي اليمين الانعزالي اللبناني خلال الحرب الأهلية العام ١٩٧٦. لكن المذبحة الكبرى كانت في مخيم تل الزعتر في الثاني عشر من آب عام ١٩٧٦ والواقع شمال شرق العاصمة اللبنانية إذ حاصرته قوى اليمين لأكثر من ٥٢ يوما مانعة عنه الطعام والماء ولم يخضع إلا بعد أن بدأ أهله وابناؤه يموتون عطشا. خرج من بقي حيا آنذاك، وعملت الجرافات على إخفاء كل معالمه وآثاره.
ثلاث مخيمات تم إزالتها من الوجود، لكن أهلها ازدادوا تمسكا بفلسطين وبالمشروع الوطني المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي الأوقات الحرجة كانت مخيماتنا قلاع صمود ومقاومة وإرادة وتحدي. فحين توغل جيش الاحتلال الصهيوني في العمق اللبناني خلال اجتياح العام ١٩٨٢ ، وقف العدو لأيام طوال عاجزا عن دخول مخيم الرشيدية قرب مدينة صور بفضل المواجهة الاسطورية لاشبال الار بي جي عند مداخل المخيم الذين قاتلوا حتى الشهادة. كذلك مخيم عين الحلوة الذي اذاق جيش الاحتلال المر قبل أن يتمكن من السيطرة عليه. أما ملاحم الصمود والمواجهة في قلعة الشقيف وفي خلدة فسيذكرها التاريخ بأحرف من نور.
نستعرض هذا التاريخ المجيد لمخيماتنا في لبنان للتنبيه من المخاطر الجدية التي طرقت أبواب بعض مخيماتنا والمسيئة لمسيرتها النضالية ولتضحيات ابناءها ودماء شهداءها. وان توافرت لبعض هذه المخاطر ظروفا ساعدت على نشأتها ، إلا انه أصبح لزاما مواجهتها كونها تؤثر على النسيج الاجتماعي والترابط الأسري وحتى على الانتماء الوطني. على رأس هذه المخاطر انتشار ظاهرة تجارة المخدرات وتعاطيها، إذ لم يعد الامر مقتصرا على عدد من الشباب المدمنين والذين يجب متابعتهم علاجيا واجتماعيا، وإنما الأزمة اليوم تكمن في ظهور شبكات منظمة مسلحة من التجار يمتلكون المال والعلاقات مع تجار الخارج ومجموعات مسلحة تحمي تجارتهم وتسيطر على نقاط بما يشبه المربعات الأمنية، و يلجأون لحسم الخلافات بينهم بالرصاص والقذائف، والنتيجة قتلى وجرحى وحرق محلات ومنازل. الجدير بالذكر أن هذه الظاهرة ليست بجديدة، لكن حجم انتشارها وتنظيمها وتسلحها أصبح يشكل خطرا كبيرا. فمخيم شاتيلا على صعيد المثال كان قد شهد خلال الأعوام السابقة ما يشبه الانتفاضة الشعبية ضد آفة المخدرات ومروجيها وخصوصا عام ٢٠١٨ حتى العام ٢٠٢٠ حين تسبب اشتباك بين تجار المخدرات بمقتل امرأة، فيما لم تتوقف المطالبات الشعبية بوضع حد لهذه الظاهرة، لكن الأزمة استمرت في التصاعد. فقد ترك الاشتباك المسلح الأخير الذي استمر ليومين في مخيم شاتيلا بين مروجي المخدرات اضرارا كبيرة في الممتلكات فضلا عما تسبب به من خوف وحالات ذعر ونزوح تحت زخات الرصاص، والأمر نفسه كان قد تكرر في مخيم برج البراجنة. وبعد كل اشتباك تخرج صرخة أهلنا اللاجئين بوجه المتقاتلين الذين يجرون المخيم إلى حالة الفوضى والعبث وخسارة الأرزاق.
تحاول القيادة السياسية والفصائل والقوة الأمنية التحرك لإنهاء هذه الظاهرة واستئصالها. فمع بدايات الشهر الحالي أصدرت الفصائل والامن الوطني في مخيم برج البراجنة بيانا على اثر اشتباك بين مروجي المخدرات أعلنت فيه عن نشر القوة الأمنية والامن الوطني في المخيم بشكل كامل واخذ الإجراءات الحاسمة والفورية بحق من يهدد استقرار المخيم. لكن أي إجراء لحسم هذه الظاهرة يصطدم بعوامل عدة مؤثرة منها تعدد المرجعيات في المخيمات وارتباط هذه المجموعات بكارتيلات المخدرات خارج المخيمات. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض المناطق في لبنان مثلت خلال العقدين الماضيين على الأقل نقاط إنتاج لمادة الكبتاغون والمواد المخدرة الأخرى وترويجها حتى خارج لبنان. صحيح أن الجميع يتحدث عن هذا الموضوع، لكن قلة من يجرؤ على الولوج الى جوهر الأزمة لارتباطه بعوامل سياسية وجهات نافذة.
في المحصلة، لم يعد أهلنا في المخيمات قادرين على تحمل عبء هذا الواقع. فبالاضافة إلى ما تنتجه هذه الآفة من تخريب للجيل الصاعد ومن ضرب للاستقرار الأمني والاجتماعي، فإنه من غير المسموح لهذه الظاهرة أن تستمر في تدنيس التاريخ المجيد لهذه المخيمات. تاريخ لم تبخل خلاله مخيماتنا بتقديم القرابين وقوافل الشهداء من أجل فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية وقرارها الوطني المستقل. وعلى القيادة أن تكون أكثر حزما، وتخرج من دائرة البيانات والاجراءات الموضعية إلى دائرة الفعل الحقيقي. فكل متر مربع في هذه المخيمات سقي بدم شهيد.
