– الآلاف تركوا الجبهة والباقون يتوسلون للانتقال إلى وظائف أخرى
– الضباط يصرخون عليّ: «اقتله، اقتله». قتلتُ كثيرين، بينهم أطفال
بقلم: توم لفنسون
يتنقل عدد من الجنود بين البيوت، والأكثر دقة بين المباني المدمرة التي استخدمت ذات يوم للسكن، حيث بقيت جدران على حالها، وبقايا حياة. هذه قوة من لواء «الناحل» في مهمة تمشيط، على الفور ستأتي الجرافة وتهدم المزيد من الدمار. سيحيط الجنود بها ويحمونها، وسيحاولون عدم النوم. على الأغلب لا يحدث أي شيء ولا أحد يقترب. «لم أتخيل في أي يوم بأنني سأفعل ذلك خلال الخدمة. أن أتحول الى حارس لمعدات هندسية»، قال يوني، أحد الجنود.
لكن في اليوم ذاته في بيت لاهيا حدث شيء، كما قال يوني (اسم مستعار مثل كل الأسماء الأخرى في المقال). «مخربون، مخربون»، صرخ أحد الجنود. صعدتُ مباشرة إلى الرشاش، وبدأت أطلق النار. أطلقت مئات الرصاصات. بعد ذلك انقضضنا الى الأمام، وعرفت عندها أن هذا كان خطأ. لم يكن هناك أي «مخرب». شاهدت جثتين لطفلين، ربما في سن 8 أو 10 سنوات، لا أعرف، يتذكر يوني. كل شيء كان مغطى بالدماء بسبب إطلاق النار. عرفت أن كل شيء كان بسببي، أنا الذي فعلت ذلك. رغبت في التقيؤ. بعد بضع دقائق وصل قائد السرية وقال ببرود، وكأنه ليس انساناً: لقد دخلوا الى منطقة تدمير، هذا ذنبهم، هكذا هو الامر في الحرب.
كان هذا في نهاية أيار الماضي، لكن المشهد لم يتقادم، وما حدث في أعقابه أيضا. قال يوني لقادته بأنه يريد رؤية ضابط الأمن ولم يكشف لماذا. حدثته عن كل شيء، وشرح لي بأنه يوجد أمر يسمى «إصابة اخلاقية». وقال ان هذا الوضع تعمل فيه ضد قيمك، وعندها تصل الى نوع من التناقض بين القيم التي تؤمن بها وبين سلوكك. في نهاية اللقاء أوصى ضابط الامن بأن لا يعود يوني الى القتال، وتم نقله الى وظيفة مساند للقتال. «أعاني من ذكريات الماضي التي تعود إليّ، ولا أعرف إذا كنت سأنساها في أي يوم».
تحدثت «هآرتس» مع عدد من الجنود في الخدمة النظامية ممن ادركوا في الاشهر الاخيرة أنه لا يمكنهم مواصلة الخدمة في وظيفة قتالية. بعضهم فسروا ذلك بالتآكل أو حالتهم النفسية. ولكن كان هناك آخرون، قلائل نسبيا، برروا هذا القرار بـ «إصابة اخلاقية»، جرحت روحهم. الشهادات التي وصلت «هآرتس» في الأشهر الاخيرة من كل هؤلاء الجنود توضح بأن الامر لا يتعلق بالشذوذ أو باستثناء احصائي. إضافة الى ذلك، حسب تقدير مصادر في قسم القوة البشرية، فانه منذ بداية الحرب أوقفت خدمة آلاف الجنود النظاميين؛ وكان هناك من تسرحوا من الجيش كليا بسبب حالتهم النفسية، وآخرون نقلوا الى وظائف مساندة للقتال أو وظائف في الجبهة الداخلية. وقال ضباط تحدثوا مع الصحيفة إن الامر يتعلق بتقدير أقل من الواقع، وأن العدد الفعلي أعلى بكثير.
التقديرات، إضافة الى القصص، ترسم صورة مختلفة كليا عما ينشره المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي، التي تقال بلسانهم صباح مساء. «فقط لدينا عشرات الجنود الذين أرادوا الانسحاب من القتال»، اعترف ضابط في قيادة احد ألوية المشاة. «هذه ظاهرة كانت موجودة دائما، لكن ولا مرة كانت بهذه الارقام. خرج هذا عن السيطرة. الجنود متعبون ولا يستطيعون المواصلة». حتى في الالوية النظامية القتالية الاخرى يتحدثون عن وضع مشابه. «لا يوجد تقريبا أي يوم لا أسمع فيه عن جندي يتوسل كي يسمحوا له بالانتقال من وظيفته»، قالت ضابطة في كتيبة مدرعات.
بالنسبة لبني، قناص في لواء «الناحل»، لا يكفي تغيير الوظيفة. الجرح الذي يصفه كبير جدا. لقد اخترق عميقا. «بدأ هذا قبل شهرين تقريبا»، قال. «كل يوم توجد لنا المهمة ذاتها، تأمين حماية المساعدات الانسانية في شمال القطاع». يبدأ يومه هو وزملاؤه في الساعة 3:30 فجرا، ترافقهم المسيرات والقوات المدرعة، وهكذا يقيمون موقع للقناصة وينتظرون. حسب قوله، بين الساعة السابعة والنصف والثامنة والنصف في الصباح تأتي الشاحنات وتبدأ بانزال الحمولة. في هذه الاثناء يحاول السكان التقدم من اجل اخذ مكان جيد في الطابور، لكن توجد أمامهم حدود لا يلاحظونها. «خط اذا قاموا باجتيازه يمكنني اطلاق النار عليهم»، قال بني. «هذا مثل لعبة القط والفأر. هم يحاولون المجيء كل مرة من طريق مختلفة، وأنا موجود هناك مع بندقية القنص والضباط يصرخون علي: اقتله، اقتله. انا اطلق 50 – 60 رصاصة في اليوم، توقفت عن العد. لا توجد لدي فكرة عن عدد الذين قتلتهم، كثيرون، اطفال».
حسب قوله في مرات كثيرة لم يرغب في اطلاق النار، لكنه شعر بانه لا خيار امامه. هم اجبروني، هددوني. كان قائد الكتيبة يصرخ في جهاز الاتصال: لماذا لا تقتلون؟ هم يتقدمون نحونا وهذا خطير. وقد وصف مثالاً من الضغوط. «الشعور هو انهم يضعوننا في وضع غير محتمل، ولا أحد قام بإعدادنا لذلك. لا يهم الضباط ان يموت الاطفال، ولا يهمهم ايضا ماذا يفعل ذلك بنفسيتنا. بالنسبة لهم أنا مجرد أداة».
الآن يحاول التسرح من الجيش ويقول: «لا يمكنني البقاء هناك ولا دقيقة واحدة. لقد فعلت ذلك لانني اعتقدت انني ادافع عن اصدقائي وعائلتي، لكن هذا خطأ، انا لا أصدق الضباط أو الحكومة. أنا فقط اريد التسرح من الجيش والبدء في حياتي. لا أعرف اذا كنت سأنجح في ذلك أو اذا كان هذا ممكناً أصلا».
عن «هآرتس»
