الرئيسية الاخبار مكفوفون بغزة على دروب النزوح بين القصف والركام والخيام

مكفوفون بغزة على دروب النزوح بين القصف والركام والخيام

في أحد أزقة مخيم الشاطئ شمال غربي مدينة غزة، تقعد الطفلة الكفيفة ليان عبد الله وقد ارتسم القلق على وجهها الصغير وهي تمسك بيد والدتها التي ترعاها منذ بدء الحرب، فهي لا ترى الركام المتناثر من حولها، لكنها تشعر به كلما تعثرت قدماها بالحجارة أو اصطدمت بقطع من بقايا المنازل المهدمة.

وإلى جانب فقدان البصر، تعاني ليان (16 عاما) من مرض السكري وهو ما يجعل رحلات النزوح أشد قسوة عليها، إذ لا يتوفر لها الدواء ولا الإبر اللازمة لتنظيم نسبة السكري في دمها، ولا مأوى آمنا يحميها من التعب والإرهاق.

شاب من ذوي الإعاقة يعاني من مرض مزمن ويواجه تحديات صعبة خلال رحلات النزوح.

وتقول والدتها “ليان فقدت استقلاليتها منذ مغادرة بيتنا، لم تعد تعرف طريقها ولا أين تضع قدمها. في المنزل كانت تحفظ تفاصيل الغرف وتعرف مواقع الأشياء، أما هنا فنحن ننتقل من مكان إلى آخر كل بضعة أيام، فلا شيء مألوفا وآمنا”.

وتضيف أن الخوف يتضاعف عند القصف المفاجئ، إذ لا تستطيع الطفلة الركض أو معرفة اتجاه النجاة، ما يزيد شعور الأسرة بالعجز واليأس.

رحلة النزوح على ليان أشبه بكابوس دائم، فهي لا تستطيع حمل حاجاتها ولا المشي بمفردها، بل تعتمد كليا على مساعدة والدتها وأشقائها.

ومع كل يوم يمر من دون علاج، يزداد القلق على حياتها. توضح الأم “حتى إذا حصلنا على بعض الأدوية، فإنها غالبا ما تكون منتهية الصلاحية أو غير كافية لأيام طويلة، وهذا يهدد صحة ابنتي مباشرة”.

وليان هي واحدة من مئات المكفوفين في قطاع غزة، الذين يعيشون بين مطرقة النزوح وسندان المرض، في ظل غياب خطة إغاثية تراعي خصوصية حاجاتهم الصحية والمعيشية.

وتكشف قصتها حجم المعاناة التي يكابدها ذوو الإعاقة البصرية، خاصة المصابين بأمراض مزمنة، الذين لا يجدون دواء ولا ملاذا آمنا.

تُظهر الحرب الدائرة في غزة منذ أكثر من 23 شهرا أن النزوح ليس تجربة واحدة للجميع، بل يختلف باختلاف الفئات، فبينما يتمكن الأصحاء من الحركة والبحث عن مأوى، يجد المكفوفون أنفسهم عاجزين عن تأمين أيسر حقوقهم في الأمان والتنقل.

ومع كل قصف يقترب يصبح عجزهم عن الرؤية خطرا وجوديا، وبينما يهرول الآخرون نحو النجاة، يتجه المكفوفون، من غير إدراك، إلى الخطر ذاته.

أما المرضى منهم فمعاناتهم أشد، إذ يفتقدون الأدوية الخاصة بالسكري وضغط الدم وأمراض القلب.

ويؤكد الدكتور ضياء رشدان، استشاري طب العيون وجراحتها في غزة، أن هذه الفئة معرضة لانهيار صحي متسارع لأنها محرومة من العلاج منذ أسابيع، وتعيش في بيئة غير صحية داخل المخيمات.

ويضيف أن غياب خدمات صحية خاصة يزيد عزلتهم ويضاعف اعتمادهم على أسرهم، التي تعاني بدورها من فقدان أيسر الموارد.

وأمام هذه الظروف يطالب المكفوفون بإجلائهم عاجلا إلى خارج القطاع، باعتبار ذلك الخيار الوحيد لإنقاذ حياتهم.

ويقول النازح الكفيف وسيم راضي “نحن لا نطلب رفاهية، بل الحق بالبقاء، في أن نعيش بكرامة، وأن نحصل على الدواء اللازم لأمراضنا”.

في 7 سبتمبر/أيلول الجاري، أطلق الكفيف راضي مبادرة إنسانية حملت اسم “ملاذ”، تستهدف إجلاء 15 كفيفا من أصحاب الأمراض المزمنة مع عائلاتهم إلى خارج غزة.

وجاءت بعد أن وصلت أوضاع هذه الفئة إلى مرحلة خطرة من الانهيار الصحي والمعيشي مع نفاد الأدوية وفقدان أي بيئة آمنة لهم.

ويؤكد راضي أن جميع هؤلاء المكفوفين يعانون أمراضا مزمنة كالقلب والضغط والسكري، وأن بعضهم بات في حالة صحية حرجة، إذ انتهت صلاحية الأدوية المتوفرة أو لم تعد كافية، ما يهدد حياتهم مباشرة.

ويرى أن المبادرة “صرخة استغاثة” موجهة إلى العالم والمنظمات الحقوقية لإنقاذهم من موت محقق يقترب كل يوم.

راضي، الذي فقد بصره منذ سنوات، يصف رحلات النزوح بأنها أصعب اختبار في حياته.

ويقول “أعاني في اختيار ما هو ضروري وما هو غير ضروري من الحاجات. الدواء والبخاخات أهم ما أحمله، ومع ذلك فكمية ما أملكه قليلة، وإذا نفد الدواء هل أستطيع الحصول على غيره؟ كيف أقطع الطريق بمفردي والجميع يهرول هربا من القصف؟”.

يقود راضي مجموعة من 14 كفيفا ضمن المبادرة ويشدد على أن معاناتهم لا تقتصر على التنقل فقط، بل تمتد إلى الخوف الدائم من الموت البطيء.

ويطالب محمود، مثل غيره من المكفوفين في غزة، بحل عاجل، ويختم “نحن لا نحتمل البقاء بوضعنا هذا أكثر. نحتاج إلى إجلاء عاجل يضمن لنا الدواء والحياة الكريمة. البقاء هنا يعني موتنا ببطء”.

Exit mobile version