خاص بـ”القدس” و”القدس” دوت كوم
أكرم عطا الله: القرار يؤكد أهمية تفادي أي سيناريو قد يستغله الاحتلال لفرض قيود إضافية لممارسة ابتزاز سياسي يهدف لتعطيل عمل المؤسسات
د. جمال حرفوش: القرار ليس انسحابًا من الساحة الدولية بل إعلان عن ترشيد وإدارة مخاطر يتماشى مع الظروف القائمة وتعزيز الدبلوماسية الرقمية
سليمان بشارات: إدراك مبكر من الحكومة لطبيعة المآلات التي قد تترتب على الخطوات الإسرائيلية المقبلة ويهدف لتفويت الفرصة على الاحتلال
د. سعد نمر: القرار لم يُعلن عنه مرفقًا بأسباب واضحة وصريحة لكنه يعكس حالة حذر شديد تمر بها السلطة في ظل ظروف دقيقة ومعقدة
سامر عنبتاوي: القرار خطوة ضرورية لكنه متأخر ويجب أن يترافق مع إعادة بناء النظام الرسمي والسياسي بما يتناسب مع الظروف الراهنة
في خطوة غير مسبوقة، عممت الحكومة الفلسطينية قراراً بوقف سفر الوزراء وكبار موظفي الوزارات إلى الخارج، والاكتفاء بالمشاركة عبر الوسائط الرقمية حتى إشعار آخر، حيث جاء القرار في لحظة سياسية ملتهبة واقتصادية خانقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان مجرد إجراء ظرفي أم بداية لمرحلة جديدة من إدارة الشأن العام في ظل القيود المفروضة، أو خطوة استباقية لإجراءات قد يفرضها الاحتلال الإسرائيلي بحق السلطة الفلسطينية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ”ے”، أن القرار يعكس حجم المخاطر التي تواجهها السلطة في هذه المرحلة، حيث لم يعد السفر الخارجي للمسؤولين أمرًا آمنًا، بعد أن تحوّل جسر الكرامة إلى أداة ضغط بيد الاحتلال، قد تعيق عودة أي وفد فلسطيني وربما تشل عمل المؤسسات.
ويشيرون إلى أنه مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية العلنية بضم أجزاء من الضفة الغربية وتفكيك السلطة، بدا واضحًا أن بقاء المسؤولين في مواقع عملهم داخل الوطن أصبح أولوية قصوى.
ويؤكد الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات أن البعد المالي لا يقل أهمية؛ فترشيد النفقات وتوجيهها إلى الخدمات الأساسية يشكل رسالة للداخل الفلسطيني بأن الحكومة تسعى إلى ضبط مواردها في ظل أزمة خانقة. ويشيرون إلى أنه في المقابل، يفتح القرار الباب أمام اختبار حقيقي لـ”الدبلوماسية الرقمية”، حيث يصبح الصوت الفلسطيني حاضرًا عبر الفضاء الإلكتروني وشبكة السفارات، وإن ظل غياب التواصل المباشر مع العالم تحديًا قائمًا لا يمكن إنكاره.
خطوة براغماتية فرضتها الظروف المعقدة
يوضح الناطق باسم جامعة النجاح الوطنية والمحاضر في قسم العلوم السياسية، د. رائد الدبعي، أن قرار الحكومة القاضي بوقف المشاركة الشخصية للوزراء وموظفي الوزارات في مهام العمل الخارجية، والاكتفاء بالمشاركة عبر وسائل الاتصال عن بعد حتى إشعار آخر، يمثل خطوة براغماتية فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة التي تمر بها الساحة الفلسطينية.
ويؤكد الدبعي أن هذا القرار لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع السياسي الذي تفرضه حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، إذ باتت قراراتها غير قابلة للاستشراف، ما يضع المسؤولين الفلسطينيين أمام مخاطر حقيقية عند السفر للخارج.
ويبيّن أن إسرائيل قد تسعى إلى استغلال سفر الوزراء والوفود الرسمية للضغط عليهم أو التضييق على تحركاتهم بما يؤثر على قدرتهم في تقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما يجعل بقاءهم في مواقع عملهم إلى جانب الناس داخل الوطن أكثر أهمية في هذه المرحلة.
ويشير الدبعي إلى أن البعد الاقتصادي للقرار لا يقل أهمية عن الجانب السياسي، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة الفلسطينية، فوقف السفر من شأنه أن يوفر مبالغ مالية كبيرة يمكن توجيهها إلى أولويات أكثر إلحاحًا، خاصة في قطاعات الخدمات الأساسية للمواطنين.
القرار لا يعني تغييب فلسطين عن الساحة الدولية
وفي الجانب الدبلوماسي، يشدد الدبعي على أن القرار لا يعني بأي حال من الأحوال تغييب فلسطين عن الساحة الدولية.
وبحسب الدبعي، فإن التجربة أثبتت أن المشاركة عبر الفضاء الإلكتروني، كما جرى في خطاب الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يمكن أن تكون فاعلة وربما أكثر رمزية، لأنها تفضح القيود التي يفرضها الاحتلال على حرية حركة المسؤولين الفلسطينيين.
ويشير إلى أن شبكة الممثليات والسفارات الفلسطينية في الخارج قادرة على القيام بمهام التمثيل المباشر عند الحاجة.
خطوة واقعية وضرورية للتخفيف من الضغوط الراهنة
ومع ذلك، يلفت الدبعي إلى أن القرار يحمل بعض التحديات، أبرزها تقليص فرص بناء العلاقات الشخصية المباشرة مع نظراء دوليين في المؤتمرات والمحافل العالمية، إضافة إلى أنه يعكس محدودية السيادة الفلسطينية على حرية الحركة والتنقل.
ويؤكد الدبعي أن هذه الخطوة تبقى واقعية وضرورية للتخفيف من الضغوط الراهنة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، دون أن تفقد فلسطين حضورها وصوتها في المجتمع الدولي.
ويشدد على أهمية وجود جزء من القيادة، وتحديدًا قيادة منظمة التحرير وحركة فتح، في الخارج، للحفاظ على قنوات الحركة الدبلوماسية بعيدًا عن الابتزاز السياسي الإسرائيلي في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
القرار لا يمكن فصله عن العلاقة المتدهورة بين إسرائيل والسلطة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن القرار الحكومي الأخير القاضي بوقف سفر الوزراء وموظفي الوزارات الفلسطينيين للمشاركة الشخصية في المهام الخارجية والاكتفاء بالحضور عن بُعد، لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة المتدهورة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ويوضح أن هذا القرار يعكس إدراكاً فلسطينياً لمخاطر جدية، في ظل التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بشأن مستقبل السلطة، والتي وصلت إلى حد المطالبة العلنية من بعض أقطاب الحكومة الإسرائيلية، كوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، بضرورة حل السلطة الفلسطينية وإنهاء وجودها.
ويشير عطا الله إلى أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يذهب أبعد من ذلك، إذ يقوم برنامجه السياسي على ضم الضفة الغربية بالكامل، وهو ما يتطلب -وفق رؤيته- القضاء على السلطة باعتبارها “نتاجاً لاتفاق أوسلو” الذي يسعى اليمين الإسرائيلي للتنصل منه بشكل كامل.
ويلفت عطا الله إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم إظهاره قدراً من الحذر، إلا أنه لا يمانع عملياً في السير بخطوات غير معلنة تفضي إلى إضعاف السلطة وربما إنهائها، دون تحمل تبعات الإعلان المباشر عن ذلك.
ويؤكد عطا الله أن أحد أشكال هذه السياسات قد يتمثل في منع عودة الوزراء أو ممثلي السلطة الفلسطينية إلى الضفة في حال مغادرتهم، بما يكرس عزل القيادة الفلسطينية ويمنع تحولها إلى كيان سياسي فاعل على المستوى الدولي.
ويرى عطا الله أن القرار الفلسطيني يندرج في إطار تحصين المسؤولين وتفادي أي سيناريو قد تستغله حكومة الاحتلال لفرض قيود إضافية على حرية الحركة أو لممارسة ابتزاز سياسي يهدف إلى تعطيل عمل المؤسسات الفلسطينية.
خشية جدية من توجهات إسرائيلية لإنهاء السلطة
ويشدد عطا الله على أن البيئة السياسية الحالية في إسرائيل، حيث يهيمن اليمين المتطرف، تجعل التهديدات بحل السلطة أكثر واقعية من أي وقت مضى، في ظل انسجام مواقف أقطاب الائتلاف الحاكم على اعتبار أن بقاء السلطة يشكل عائقاً أمام مشروع الضم.
وبحسب عطا الله، فإن القرار الفلسطيني لا يأتي بمعزل عن هذا المناخ المأزوم، بل يمثل استجابة براغماتية للتعامل مع التحديات المتصاعدة، ويعكس خشية جدية من توجهات إسرائيلية باتت تميل علناً نحو إنهاء السلطة كخطوة على طريق فرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية.
خطوة ذات أبعاد متعددة تتجاوز الجانب الإداري
يرى أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن القرار الحكومي الفلسطيني الأخير القاضي بوقف مشاركة الوزراء وموظفي الدوائر الحكومية في المهمات الخارجية بشكل شخصي، والاكتفاء بالمشاركة عبر الوسائط الافتراضية، يمثل خطوة ذات أبعاد متعددة تتجاوز الجانب الإداري لتلامس أبعادًا سياسية داخلية وخارجية.
ويؤكد أن القرار، في جوهره، يندرج أولًا ضمن سياق تنظيمي وتشغيلي، حيث يسعى إلى ترشيد النفقات العامة وضبط الموارد، من خلال وقف الهدر الناجم عن تذاكر السفر وبدلات المهمات، وربط أي مشاركة خارجية بمعيار الجدوى والفائدة الحقيقية، كما يضمن القرار استمرارية العمل الحكومي، في ظل بيئة سياسية وأمنية ومالية مضطربة، من خلال تقليص تعطّل المرافق نتيجة تنقّل المسؤولين.
ويشير حرفوش إلى أن الخطوة تعكس رغبة في توحيد الخطاب الرسمي وتعزيز التنسيق المركزي، بما يجنّب تضارب الرسائل أو ازدواجية التمثيل، كما أنها تمثل انتقالًا تدريجيًا نحو “الدبلوماسية الرقمية”، أي استبدال الحضور المادي بالقنوات الافتراضية، مع الحفاظ على الدور الحيوي للبعثات والسفارات الفلسطينية حول العالم.
أما من حيث التوقيت، فيرى حرفوش أن القرار يحمل دلالة سياسية وإدارية مزدوجة: فمن جهة، يُترجم انسجامًا مع سياسة الحكومة في التقشّف ومعالجة الملفات الداخلية الطارئة، ومن جهة أخرى، يعكس استثمارًا في الخبرة المتراكمة بالعمل الافتراضي منذ جائحة كورونا، وهو، في امتداداته، يشكل حلقة متقدمة في مسار ضبط الإنفاق وتعزيز الشفافية، إذ سبقته توجهات مماثلة تربط سفر المسؤولين بموافقات مركزية وتقارير متابعة.
سياسيًا، يؤكد حرفوش أن القرار يبعث برسالة واضحة إلى الداخل الفلسطيني، مفادها أن الحكومة تقدّم الانضباط المؤسسي على الامتيازات الفردية، وتعمل على كسب ثقة المجتمع عبر ترشيد النفقات والرقابة، أما خارجيًا، فهو اختبار لقدرة الدولة الفلسطينية على الحفاظ على حضورها في الساحة الدولية رغم القيود المفروضة، عبر تحويل التحدي إلى فرصة لتكريس مفهوم “الدبلوماسية الرقمية” بدلًا من أن يُقرأ كعلامة انكفاء.
غير أن القرار وفق حرفوش، لا ينفصل عن السياق الأوسع المتمثل في إغلاق جسر الكرامة بين الحين والآخر، ومحاولات إسرائيلية لتقييد حركة الوزراء أو إبعادهم قسرًا.
ويعتبر حرفوش أن القرار يعكس بعدًا سياديًا، إذ يحوّل الإكراهات الخارجية إلى سياسة معلنة، تُظهر قدرة الحكومة على إعادة تعريف أدوات عملها دون فقدان الشرعية أو الحضور الدولي.
خطوات لتجاوز التحديات الراهنة
لكن حرفوش يحذر من شبكة التحديات التي تفرضها هذه السياسة، أبرزها: الالتزامات الدولية التي قد تستدعي حضورًا ماديًا، والفجوات التقنية بين الوزارات، وإدارة الاستثناءات المرتبطة بالمهام القضائية والقنصلية، إضافة إلى مخاطر تراجع السمعة الدولية إذا لم ترافق القرار خطة تواصل فعّالة.
ويشير حرفوش إلى تحديات أخرى تتعلق بالمعنويات وبناء الشبكات المهنية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني وحماية البيانات.
ولتجاوز هذه التحديات، يقترح حرفوش جملة من الخطوات، منها إصدار تعليمات تشغيلية موحدة تحدد معايير المشاركة وتوضّح الاستثناءات، وتدريب الطواقم الحكومية على البروتوكولات الرقمية، وتفعيل دور البعثات الدبلوماسية لتغطية الحضور الضروري، إضافة إلى اعتماد مؤشرات أداء دورية لتقييم الوفورات والنتائج كل ثلاثة أشهر.
ويخلص حرفوش إلى أن القرار ليس انسحابًا من الساحة الدولية، بل إعلان عن انضباط وترشيد وإدارة مخاطر، يتماشى مع الظروف القائمة، وكذلك السعي نحو ترسيخ الدبلوماسية الرقمية.
نجاح القرار، برأي حرفوش، مرهون بمدى قدرة الحكومة على إدارة الاستثناءات بحكمة، ورفع الجاهزية الرقمية، وتفعيل ذراعها الدبلوماسية بشكل يضمن استمرار الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، وإن بوسائل جديدة تتناسب مع المرحلة الراهنة.
خطوة استباقية لتحصين المؤسسات
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن القرار الحكومي بوقف مشاركة الوزراء وكبار موظفي الوزارات في مهام العمل الخارجية، والاستعاضة عنها بالمشاركة عن بُعد، يمثل خطوة استباقية لتحصين المؤسسات الفلسطينية أمام التحديات المتزايدة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.
ويوضح أن القرار جاء استنادًا إلى قراءة معمقة لمجمل التطورات الأخيرة، خصوصًا ما يتعلق بالإجراءات التي طالت جسر الملك حسين (اللنبي) الرابط بين الضفة الغربية والأردن.
ويعتبر بشارات أن إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إغلاق الجسر مؤخرًا، وتهديده بخطوات عقابية إضافية ضد الفلسطينيين عقب عودته من الولايات المتحدة، يشير إلى مسعى واضح لإضعاف السلطة الفلسطينية، وقد يكون عبر تعطيل سفر مسؤوليها أو منع عودتهم إلى مواقع عملهم.
ويشير بشارات إلى أن إسرائيل لطالما استهدفت مؤسسات السلطة، سواء عبر حجز أموال المقاصة أو فرض العقوبات الاقتصادية، أو من خلال الإجراءات الميدانية التي قوضت حركة الفلسطينيين.
ويؤكد بشارات أن “الاحتلال يسعى اليوم لتقويض البنية المؤسسية برمتها، بهدف إظهار نفسه أمام العالم كقوة قادرة على منع الدولة الفلسطينية من ممارسة دورها الطبيعي، رغم تصاعد الاعتراف الدولي بها”.
ووفق بشارات، فإن هذا القرار يعكس إدراكًا مبكرًا من الحكومة لطبيعة المآلات التي قد تترتب على الخطوات الإسرائيلية المقبلة، ويهدف لتفويت الفرصة على الاحتلال حتى لا يتمكن من استغلال حركة المسؤولين لفرض واقع جديد.
بناء أدوات مواجهة وضغط بالتنسيق مع الدول
ويشدد بشارات على أن المطلوب لا يقتصر على التكيف مع سياسات الاحتلال، بل يتطلب أيضًا بناء أدوات مواجهة وضغط بالتنسيق مع الدول العربية والإقليمية والأوروبية.
ويؤكد أن “حرية التنقل من وإلى فلسطين حق تكفله القوانين الدولية، وأي محاولات إسرائيلية لتقييدها يجب أن تواجه بآليات ضغط سياسية وقانونية، وربما بالمطالبة بفرض عقوبات على الاحتلال إذا سعى إلى فرضها بشكل ممنهج”.
ويوضح بشارات أن المرحلة المقبلة قد تشهد “معركة من نوع آخر”، حيث يستخدم الاحتلال سياسة تقييد الحركة لإضعاف السلطة وفرض واقع جديد، ما يستدعي استراتيجيات فلسطينية متعددة الأبعاد، تشمل الدبلوماسية، التحرك الدولي، وتعزيز الشراكات مع الأطراف الداعمة.
ويؤكد بشارات أن القرار الفلسطيني خطوة مهمة لتقليل المخاطر، لكنه يجب أن يترافق مع خطط تحدٍ حقيقية تمنع الاحتلال من فرض قيوده كأمر واقع.
دوافع مباشرة للقرار
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، أن قرار الحكومة القاضي بمنع الوزراء وكبار الموظفين من السفر إلى الخارج لعقد لقاءات أو اجتماعات أو مؤتمرات، والاكتفاء بأداء المهام من الداخل أو عبر الوسائل الافتراضية، لم يُعلن عنه مرفقًا بأسباب واضحة وصريحة، لكنه يعكس حالة حذر شديد تمر بها السلطة في ظل ظروف دقيقة ومعقدة.
ويوضح نمر أن أحد الدوافع المباشرة قد يرتبط بالوضع الميداني على المعابر، خاصة بعد إغلاق جسر الكرامة أكثر من مرة مؤخرًا، فخروج أي وزير أو مسؤول رفيع المستوى قد يتحول إلى عبء إداري إذا ما علق في الخارج بانتظار إعادة فتح المعبر، ما يؤدي إلى تعطيل أعمال وزارته ومهامه الرسمية.
ويؤكد أن التحول نحو المشاركة عن بُعد عبر أدوات مثل “الزوم” أو غيرها من الوسائل الرقمية، يتيح للسلطة الفلسطينية الاستمرار في علاقاتها الخارجية دون الحاجة لتحمل تكاليف السفر والإقامة والمرافقة، وهو ما يشكل أيضًا خطوة لترشيد النفقات في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها مؤسساتها.
ويرى نمر أن هذا القرار لا ينفصل عن السياق السياسي الأوسع، إذ تواجه السلطة تهديدات مباشرة من حكومة الاحتلال، خاصة مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول عزمه ضم أجزاء من الضفة الغربية، إلى جانب دعوات اليمين الإسرائيلي المتكررة لتفكيك السلطة وإنهائها.
اليمين الإسرائيلي يعدّ هذه المرحلة “فرصة ذهبية”
وبحسب نمر، فإن اليمين الإسرائيلي ينظر إلى هذه المرحلة باعتبارها “فرصة ذهبية” يجب استغلالها قبل أن تفرض أي حلول دولية أو مبادرات سياسية جديدة، لاسيما بعد سلسلة الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية. ويعتبر نمر أن الرد الإسرائيلي على هذه الاعترافات قد يتمثل في توسيع الاستيطان وفرض وقائع ميدانية، بما يشمل السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية لمنع إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
ويؤكد نمر أن السلطة الفلسطينية بكل أجهزتها ووزاراتها تتصرف اليوم بمنطق الحذر، وتحاول من خلال إجراءاتها الاستباقية الحد من تداعيات أي خطوات إسرائيلية قادمة، مشيرًا إلى أن المشهد العام في الضفة الغربية يتسم بالترقب والقلق من تطورات سياسية وميدانية قد تكون قريبة جدًا.
سياسة تقشفية ملحّة لكن متأخرة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن خطوة رئاسة الوزراء الفلسطينية بوقف المشاركات الخارجية والاكتفاء بالضروري منها، تأتي في إطار سياسة تقشفية ملحّة، لكنها جاءت متأخرة جدًا قياسًا بحجم التحديات التي يواجهها الفلسطينيون، مشيرا إلى ضرورة العمل على تغيير النظام الرسمي والسياسي الفلسطيني بما يتناسب مع الظروف الراهنة.
ويوضح عنبتاوي أن القيادة تعاملت خلال العقود الماضية وكأنها تقود دولة مستقلة تملك مقومات اقتصادية وسياسية، في حين أن الواقع مختلف تمامًا.
وبحسب عنبتاوي، فإن الحكومة انشغلت بمظاهر الدولة الشكلية، ومشاركات خارجية واسعة، فيما يواجه الداخل الفلسطيني اقتصادًا هشًا وتراجعًا مستمرًا بفعل الحصار الإسرائيلي والارتهان لاتفاقيات اقتصادية تُكرّس التبعية لإسرائيل.
ويشير إلى أن كثرة السفارات ومصاريفها الكبيرة لم تُترجم إلى أداء فعلي يعكس معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، بل اقتصرت في كثير من الأحيان على أدوار بروتوكولية شكلية.
المطلوب تقليص النفقات والمشاركات الخارجية للحدود الدنيا
ويشدد عنبتاوي على أن المطلوب اليوم هو تقليص النفقات والمشاركات الخارجية إلى الحدود الدنيا، والاكتفاء بالضرورات الملحّة، مع توظيف الوسائل الرقمية ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي لإيصال الرواية الفلسطينية، خاصة أن هذه الرواية تصل للعالم يوميًا عبر دماء الشهداء في غزة وجرائم الاحتلال المستمرة، وكل ذلك بحاجة لإسناد وفتح آفاق فقط.
ويؤكد عنبتاوي أن الدعم الدولي يجب أن يُبنى على تحالفات سياسية وشعبية، لا على زيارات ومشاركات رسمية مكلفة.
ويرى أن هذه الخطوة يجب أن تترافق مع إعادة بناء النظام الرسمي والسياسي الفلسطيني داخليًا، من خلال تقليص الوزارات والدوائر غير الفاعلة، والانتقال إلى نموذج اقتصاد وطني مقاوم يواجه الحصار الإسرائيلي بالصمود والاعتماد على الذات.
ويؤكد عنبتاوي أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى حكومة طوارئ موحدة تعكس حقيقة أنه شعب يعيش تحت الاحتلال، لا حكومة تُحاكي مظاهر الدول المستقلة.
ويشير عنبتاوي إلى أن المرحلة الحالية تفرض تحديات غير مسبوقة، مع إقدام الاحتلال على إغلاق الجسر وتقييد حرية الحركة، ما يجعل من الضروري تطوير استراتيجية تواصل بديلة مع العالم، تقوم على بناء التحالفات الدولية واستثمار الإعلام الرقمي بدلًا من الارتهان لموافقات الاحتلال للسفر والتنقل.
ويؤكد عنبتاوي أن بناء الدولة الفلسطينية لن يتحقق عبر مظاهر شكلية أو توسّع في السفارات والوفود، بل عبر العمل الفعلي على الأرض لتقوية الاقتصاد الوطني وتعزيز القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة، بما يتيح للشعب الفلسطيني الصمود ومواجهة المشروع الاستيطاني.
