“نظام عالمي وشرق أوسط جديدين”، مصطلحات أصبحت شائعة وعلى كل لسان مع انها لا تمثل نظريات جديدة أو انعكاسا لتناقضات طبقية ومجتمعية كما كان الحال مع ظهور الفكر الماركسي وانتصار الثورة البلشفية في روسيا ونشوء الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية. أحداث أدت إلى تغيير جذري في النظام العالمي، إذ نشأ قطب اشتراكي عالمي مناهض للامبريالية مرتكز على التضامن بين العمال والفلاحين عبر أرجاء العالم ، ومتحد في نضاله ضد الراسمالية والاستغلال.
تلك المتغيرات اوجدت حالة من التوازن في النظام العالمي بفعل وجود قطبين متناقضين كانا مجبران على التفاهم على الملفات الحساسة وتوقيع اتفاقيات للحد من الانتشار النووي والصواريخ الاستراتيجية وغيرها، لتجنب مخاطر التصادم الكارثي رغم حالة الحرب الباردة التي اتسمت بها تلك المرحلة. ولذلك كان بالإمكان في معظم الحالات لجم أي مغامرة عبثية أو غير محسوبة على الصعيد العالمي. لكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية في تسعينيات القرن الماضي، أدركت الولايات المتحدة الأمريكية انها أصبحت القطب الأقوى والاوحد في العالم، وبذلك سنحت لها الفرصة التاريخية للتفلت من كل الالتزامات القانونية والاخلاقية وفرض هيمنتها على دول وشعوب العالم، فاحتلت دولا كافغانستان والعراق، وقسمت أخرى كيوغسلافيا، وأدخلت بعضها في حلف شمال الأطلسي، واغرقت العالم في حالة من الفوضى اسمتها “خلاقة”.
نظام عالمي مختلف وشرق أوسط جديد. مصطلحات تحتار معاجم اللغات في تعريفها، وتتفنن دول القرار في رسم معالمها بما يتلاءم واحلامها وطموحاتها. طموحات دفعت المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان السيد توم براك إلى إعلان موت اتفاقية سايكس_بيكو السيئة الذكر، وفرض نظام أكثر ظلما وعدوانية واستهتارا بحياة الشعوب وبالقيم الإنسانية خدمة لإسرائيل واهدافها التوسعية. فقد ذكر براك أن إسرائيل لم تعد تعترف بحدود سايكس _بيكو منذ السابع من أكتوبر وان عليها الذهاب حيثما تريد ووقتما تشاء، في إشارة إلى ضوء أخضر امريكي للاحتلال بكسر الحدود التي اسسها الاحتلالين الفرنسي والبريطاني على انقاض الدولة العثمانية. فتلك الاتفاقية التي كانت قد وقعت عام ١٩١٦ ، شكلت نقطة التحول الأكبر في رسم خرائط المنطقة العربية وبالتحديد”منطقة غرب آسيا وشمال افريقيا”وتقسيمها إلى كيانات سياسية مصطنعة تخدم مصالح القوى الاستعمارية آنذاك، وبالأخص بريطانيا وفرنسا . لكن ما يجري اليوم يظهر أن هناك مشروعا استعماريا جديدا تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وتشكل إسرائيل قوته التنفيذية بالشراكة مع أمريكا، لإعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يخدم اجندات الهيمنة الجديدة ، تعيد صياغة المعادلة الإقليمية عبر الهندسة السياسية والاجتماعية، والهدف إعادة هيكلة وإنتاج ما يسمونه بالشرق الأوسط الجديد وفق خرائط جديدة تدمج السيطرة الاقتصادية مع التمكين الأمني للصهيونية في قلب المنطقة وارجاءها. لذلك فإن ما بعد سايكس بيكو ليس مجرد تغيير خطوط على الخريطة، بل إعادة تشكيل البنية الفكرية والسياسية لشعوب المنطقة عبر تطويع الإعلام وتوظيف الصراعات المذهبية والعرقية وفرض تحالفات عسكرية أمنية جديدة بحيث يصبح الكيان الصهيوني الطرف الضامن للأمن الاقليمي، و المحور الامريكي الإسرائيلي هو الحكم والوسيط وصاحب القرار. وقد قالها المبعوث الامريكي توم براك صراحة في حديثه لبرنامج مع هادلي غامبل على قناة سكاي نيوز عربية حين ذكر أن السلام الذي نتكلم عنه هو مجرد وهم، وان الحدود مجرد عملة للتفاوض، والنتيجة النهائية أن طرفا يريد الهيمنة.
لقد رسم براك خريطة واضحة للرؤية الأمريكية الإسرائيلية للعالم الجديد بكلمات مفتاحية: السلام وهم، سايكس بيكو انتهى، الحدود للتفاوض، والهدف الهيمنة. ولذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية على محاولات ثني الدول الغربية الفاعلة كفرنسا وبريطانيا عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما سارع رئيسها إلى إطلاق تصريحات متتالية محاولا التخفيف من وطأة تسونامي الاعترافات مدعيا أن لا قيمة لها، مما يعكس حجم الارباك والغضب الامريكي من تمرد الدول الغربية عليه وعلى ارادته التي لطالما اعتقد أنها إلهية.
هذه الوقائع تدلل على ان الإرادة الأمريكية ليست قدرا، وانه يمكن مواجهتها وكسرها كما حدث مع جملة الاعترافات بالحق الفلسطيني وبالدولة الفلسطينية، والتي أتت نتاجا لمسيرة طويلة من النضال الوطني في ساحات الميدان والقانون والسياسة والدبلوماسية والاعلام. كما أن حكومات العالم لم تعد قادرة على تجاهل الانقلاب الكبير في الرأي العام لدى شعوبها المصدومة بهذا الكم من الاجرام الصهيوني بحق أبناء شعبنا. لذلك فإن هذه الاعترافات لا تحمل فقط ثقلا رمزيا وسياسيا، لكنه يعد بمثابة تغيير في قواعد اللعبة على حد تقييم أستاذ القانون الفرنسي والبريطاني فيليب ساندرز في مقاله في صحيفة نيويورك تايمز، لأنه بمجرد الاعتراف بالدولة فإنه يضعها على قدم المساواة من حيث المعاملة بموجب القانون الدولي.
الاعترافات تمثل خطوة جدية على الطريق الصحيح، لكن لا بد من استثمارها وتحويلها إلى ضغط سياسي حقيقي تدرك بنتيجته الولايات المتحدة الأمريكية ورغم كل عنجهيتها وجنون رئيسها، ان المصلحة الأمريكية لا يمكن أن تتأمن بالانعزال عن العالم خدمة للاجندة الإسرائيلية، وان العالم اليوم مع فلسطين وقيام الدولة الفلسطينية، ولا بد لها وحتى من باب التخادم في المصالح مع العالم العربي، ان تتماهى مع الحقوق العربية وعلى رأسها الحق الفلسطيني.
