بقلم: آنا برسكي /من سيحكم في القطاع في “اليوم التالي”؟ من سيشرف على الأمن؟ كيف ستبدو خريطة التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط؟ بينما يبقى وقف النار في قطاع غزة ساري المفعول تجري اتصالات مكثفة من خلف الكواليس تمهيداً للمرحلة التالية من خطة ترامب: إقامة قوة أمن إقليمية تدخل إلى غزة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتشكل جهة الإشراف المركزية في الفترة الانتقالية ما بعد الحرب.
يدور الحديث عن أحد العناصر الأكثر حساسية وتعقيدا في الخطة العامة لإعمار القطاع، وهو سيكون في مركز المباحثات في مؤتمر السلام في شرم الشيخ. هدف القوة هو منع عودة “حماس” إلى الحكم، والسماح باستقرار أمني على الأرض، وتمهيد التربة لحكم فلسطيني جديد يقام بعد فترة انتقالية تشرف عليها هيئة دولية.
وحسب المبادرة التي وضعها البيت الأبيض، فإن القوة التي ستتشكل ستكون قوة عربية متعددة الجنسيات، تعمل بتنسيق مع الولايات المتحدة، لكنها لن تتضمن جنودا أميركيين. ستقدم واشنطن الإشراف الاستراتيجي، الدعم اللوجستي، والمساعدة التكنولوجية لكنها ستمتنع عن مرابطة قوات على الأرض.
توجد في مركز الخطة مصر والأردن اللتان ستتصدران الخطوة وتجندان قوة شرطية فلسطينية محلية من بين سكان القطاع، يتم تأهيلهم بإشراف أمني مصري – أردني. هذه عمليا تجربة غير مسبوقة – خليط من قوة عربية معتدلة مع انتداب دولي يستهدف تثبيت الاستقرار في القطاع ومنعه من أن يعود ليصبح مركزا لمواجهة مسلحة.
في المباحثات التي تجرى في الأيام الأخيرة يتبين أحد الخلافات الأهم: هوية الدول التي ستشارك في القوة. فحسب المصادر المطلعة على المباحثات أعربت إسرائيل عن قبولها بمشاركة دول الخليج المعتدلة، ومنها الإمارات، قطر، والبحرين، رغم أن ليس لها قوة عسكرية ذات مغزى لترابط في الميدان. من ناحية إسرائيل، فإن تواجد هذه الدول في غزة قد يمنح شرعية إقليمية للخطوة، ويضمن استثمارا اقتصاديا مستقبليا في إعمار القطاع. ويقول مصدر إسرائيلي مطلع على الأحداث، إن “مساهمتها ستكون أساسا سياسية واقتصادية. لكن هذا حضور يمكنه أن يبث الاستقرار”.
ومع ذلك، أوضحت القدس أنها تعارض بشكل لا لبس فيه مشاركة تركيا في القوة. وتنبع المعارضة من مواقف أنقرة الحادة تجاه إسرائيل، من الدعم العلني الذي تمنحه لـ”حماس”، ومن العلاقات الأيديولوجية الوثيقة بين حكم أردوغان وحركة “الإخوان المسلمين”.
“تركيا لا يمكنها أن تكون جزءاً من جسم هدفه نزع سلاح حماس”، يقول مصدر إسرائيلي. “سيقوض حضور تركيا كل الخطوة”. في مصر أيضا يتحفظون على الفكرة خشية محاولة تركيا إعادة تثبيت النفوذ في منطقة ترى فيها مصر جزءاً من مجال مسؤوليتها الأمنية.
كما تتضمن خطة ترامب إقامة سلطة دولية مؤقتة تسمى “المرجعية الدولية المؤقتة في غزة”. وهي ستتشكل من تكنوقراطيين فلسطينيين يديرون الشؤون اليومية، لكنها تكون خاضعة لرقابة هيئة دولية مدنية تنسق سياقات الإعمار، المساعدة، والتنسيق السياسي. على رأس هذا الجسم سيكون مندوب غربي كبير، وقد ذُكر اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، كأحد المرشحين للمنصب. وستعمل القوة الدولية على استقرار الحكم المؤقت وتشرف على ترتيبات الأمن.
وحسب الخطة، ستنسحب إسرائيل تدريجيا من معظم أراضي القطاع، لكنها ستحافظ على سيطرة ضيقة على طول الحدود وعلى منطقة الفصل في محور فيلادلفيا طالما لم ينزع سلاح “حماس” تماما. تطالب “حماس” بوعد صريح بخروج كل القوات الإسرائيلية من القطاع قبل ذلك.
وحسب مصادر غربية مطلعة على المباحثات، تفحص تسوية تسلم “حماس” في إطارها سلاحها الثقيل للجنة فلسطينية – مصرية، تشرف على عملية نزع السلاح بشكل تدريجي ومضبوط، لكن لم يتحقق بعد اتفاق نهائي في ذلك. في إسرائيل يتابعون التطورات عن كثب. ويقول مصدر امني، إن “فكرة قوة دولية عربية هي إيجابية، لكنها لا يمكنها أن تعمل إذا واصلت (حماس) حيازة السلاح أو أن تكون في أي مكانة سياسية. التفكيك المطلق وحده يمكنه أن يسمح بالاستقرار”.
كل المسائل التي تتعلق بمستقبل غزة ستوضع على طاولة المباحثات في مؤتمر شرم الشيخ. سينشغل المؤتمر باستكمال تسوية وقف النار، إعمار القطاع، وبلورة التفاهمات حول انتشار القوة الإقليمية. بالنسبة لترامب هذا اختبار زعامة دولية مهم للغاية – محاولة لعرض إنجاز دبلوماسي ملموس في الشرق الأوسط. وبالنسبة لمصر هذه فرصة للعودة إلى مكانة وسيط مركزي.
لكن فوق كل شيء، سيقرر المؤتمر صورة غزة في السنوات القريبة القادمة: هل ستصبح مجالا يدار ويشرف عليه دوليا ويحظى بالاستقرار، أم ربما ينزلق مرة أخرى إلى وضع من الفراغ السلطوي الذي يعيد المنطقة إلى نقطة البداية؟ ما يبدو على السطح مخططاً أمنياً، إدارياً، وفنياً هو عمليا صراع على إعادة تعريف المنطقة كلها. تسعى إسرائيل للحفاظ على سيطرة أمنية كي تحقق الحد الأقصى الممكن في المفاوضات على استمرار تنفيذ خطة ترامب. أما “حماس” فتسعى إلى البقاء سياسيا، عسكريا، وأيديولوجيا. وتحاول الولايات المتحدة والدول العربية بناء جسر مستقر بين مطالب الطرفين وبين الواقع.
إن نجاح المبادرة منوط ليس فقط بتشكيلة القوة وبهوية المشاركين فيها بل أيضا بقدرة كل واحد من اللاعبين وأساسا إسرائيل، على الإيمان بأن من سيدخل إلى غزة، هذه المرة، يمكنه أن يبقى هناك أيضاً.
عن “معاريف”
