الرئيسية زوايا أقلام واراء “معاداة السامية” سلاح لتبرير جرائم الصهيونية  بقلم: عائدة عم علي

“معاداة السامية” سلاح لتبرير جرائم الصهيونية  بقلم: عائدة عم علي

لطالما اعتمدت الدعاية السياسية الصهيونية في مواجهة العالم على نشر معلومات كاذبة للترويج لأيديولوجيا عنصرية وإلحاق الضرر بفئات معينة من الناس أو المعارضين بذريعة معاداتهم السامية والتي تأتي لإسكات الأصوات الناقدة لكيان الاحتلال المرتبط بمصطلح ” اللوبي اليهودي”  الذي أصبح منذ القرن الماضي مهيمناً،  حيث أي انتقاد لجرائم الصهيونية يصنف اليا في خانة معاداة السامية وتؤدي بصاحبها إلى المحاكمة، وتجربة الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي الأولى التي كانت  شاهداً على الهيمنة الصهيونية في المجتمعات الغربية التي تعتمد على مجموعة من الروافع والشخصيات والهيئات والجماعات المتأصلة في المؤسّسات والحياة السياسية الغربية.

ان النظر الى كيف تحوّل مصطلح “معاداة السامية” في العصر الحديث إلى أداة سياسية وإعلامية يوضح كيف تُستخدم لتجريم أيّ نقد للسياسات الإسرائيلية، حتى عندما يأتي من شعوب سامية أخرى ولهذا لابد من الإضاءة أن العرب هم جزء أصيل من الشعوب السامية، مع الإشارة الى أهمية تفكيك مفهوم ” العرق السامي” من منظور تاريخي وانثروبوليجي.

‎ مصطلح “السامية” نشأ في الدراسات الأوروبية الحديثة لتصنيف اللغات في الشرق الأدنى القديم، لكنه سرعان ما اكتسب دلالات عرقية وسياسية متعدّدة وعرض أصول المصطلح وعلاقته بالعرب، وتحليل الاستخدام السياسي لمفهوم «معاداة السامية» في الخطاب الصهيوني المعاصر، مع تقديم توصية علمية لفصل المعنى التاريخي للمصطلح عن توظيفاته الأيديولوجية. والأمثلة كثيرة، عندما صاغ المستشرق الألماني أوغست لودفيغ شلوتسر عام 1781م مصطلح Semitic استناداً إلى تقسيم أبناء نوح في سِفر التكوين (سام، حام، يافث) كان الهدف الأول تصنيف اللغات في الشرق الأدنى

القديم: العبرية، العربية، الآرامية، الأكادية، وغيرها اضافة الى ما قدمته الدراسات الوراثية والأنثروبولوجية الحديثة التي تؤكد عدم وجود “عرق سامي” خالص بالمعنى البيولوجي، بل هناك شعوب متداخلة عبر الهجرات والتجارة والحروب.

أما العرب فهم ‎ امتداد تاريخي للشعوب السامية الجنوبية، الغربية (سبئيون، معينيون، حميريون). ولهذا فان اللغة العربية اليوم هي أوسع اللغات السامية انتشاراً واستمرارية. وهذا يضع العرب في قلب الهوية السامية التاريخية، لا خارجها. ولكن عندما ظهرت الصهيونية السياسية في أواخر القرن التاسع عشر ما كانت لتنجح وتحقق أهدافها وهي احتلال أرض فلسطين لولا وجود بيئة سياسية ملائمة إلى أقصى حد في الغرب , ساهمت في صنعها كثير من الشخصيات غير اليهودية من ذوي النفوذ وعبّرت عن إيمانها بالفكرة الصهيونية وأيدت قيام ما يُسمى دولة قومية يهودية في فلسطين بوصفها حقا لليهود، طبقا لبرنامج “بازل” ولما ورد في كتاب الدولة اليهودية لصاحبه تيودور هرتزل. وبعد قيام ” إسرائيل” أصبح الاتهام ” بمعاداة السامية” يُستخدم لتجريم أيّ نقد للسياسات الإسرائيلية حتى لو صدر من شعوب تحمل المفهوم ذاته.

مصطلح معاداة السامية ظهر في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر لوصف العداء لليهود في سياق قومي–عنصري ومع مرور الوقت اختُزل المعنى في اليهود، رغم أنّها تضمّ العرب وغيرهم. ولو تساءلنا عن كيفية اتهام العرب وهم جزء من الشعوب السامية تاريخياً، بـ “معاداة السامية” حين يدينون سياسات إسرائيل، أوَليس من المفارقة أن يصبح الشعب الفلسطيني، وهو سامي الأصل واللغة، متَّهماً بـ ” معاداة السامية” لأنه يطالب بحقوقه؟  والى أي مدى تحوّل المصطلح إلى ” درع سياسي” يَحول دون مساءلة “إسرائيل” عن انتهاكاتها للقانون الدولي؟ .

استغلال الحركة الصهيونية والإعلام للمصطلح نجح في ترسيخ صورة ” اليهود السامية”، بحيث يُنظر إلى أيّ إدانة للسياسات الإسرائيلية في فلسطين، لبنان، سورية، العراق، اليمن، مصر، الأردن وغيرها على أنها “معاداة للسامية” ناهيك عن تصريح نتنياهو في وقت سابق الذي ربط فيه بين رغبة إيمانويل ماكرون في الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتأجيج معاداة السامية، واصفا إياه بأنه “دنيء” و”مبني على مغالطات”.

وبهذا تمكّنت الحركة الصهيونية من خلال استخدام اللوبيات المؤيدة وعبر “الكذبة الكبرى” ترديد رواية معينة مراراً وتكراراً، يصبح تصديقها أسهل. وإذا استطاع مروّجو الدعاية إقناع المواطنين بتصديق “كذبة كبرى”، فيمكنهم استخدام هذا الدعم لتبرير أفعال أخرى. وهكذا ساهمت الرواية التي زعمت مراراً وتكراراً أن (ستة ملايين يهودي) قتلوا في “غرف الغاز” أثناء الحرب العالمية الثانية في تبرير الحق اليهودي في الحماية الاستثنائية، بل وجعل نقد الاحتلال الصهيوني نوعا من المعاداة لليهودية في خلط متعمد بين اليهودية الديانة والصهيونية السياسية التي مارست أبشع اشكال الاضطهاد والتمييز والقتل على الهوية في المنطقة العربية من خلال استخدام كل أساليب الدعاية الملائمة وتوظيف الجانب الديني والتركيز خاصة على السردية المفترضة واعتماد الدعاية السياسية الصهيونية على نشر أكاذيب للترويج لأيديولوجيا عنصرية وإلحاق الضرر بفئات معينة من الناس أو المعارضين بدعوى معاداتهم السامية.

وبهذه الطريقة يُفرغ المصطلح من دلالته التاريخية واللغوية، بل أكثر من ذلك يُفقد هذا الاستخدام الانتقائي للمصطلح صدقيته الأخلاقية ويُضعف المعركة الحقيقية ضدّ العنصرية ومعاداة اليهود، فيتحوّل إلى سلاح أيديولوجي يكرّس الظلم بدل أن يحاربه، ويُفرغ القيم الإنسانية التي قام عليها من مضمونها. ويُحوّل إلى أداة ابتزاز أخلاقي وسياسي لإسكات النقد وشيطنة المواقف المناهضة للاحتلال أو لسياسات القمع والتمييز. وهذا الاستغلال يفضح الازدواجية في استخدام مصطلح يفترض أن يكون وصفاً لظاهرة كراهية دينية أو عرقية، لا حصانة سياسية لأيّ دولة.

‎ مفهوم “معاداة السامية” في حال تفكيكه يكشف عن تداخل معقّد بين التاريخ والدين والسياسة ويُفقد هذا الاستخدام الانتقائي للمصطلح صدقيته الأخلاقية ويُضعف المعركة الحقيقية ضدّ العنصرية ومعاداة اليهود، فيتحوّل إلى سلاح أيديولوجي يكرّس الظلم بدل أن يحاربه، ويُفرغ القيم الإنسانية التي قام عليها من مضمونها. فالهدف الأصلي للمصطلح هو محاربة الكراهية والتمييز ضدّ اليهود وغيرهم، لا يمكن تحويله إلى حصانة لإسرائيل مهما ارتكبت من انتهاكات واجرام تحت غطاء زائف. وكيف يمكن للعرب، وهم جزء من الشعوب السامية، أن يُتَّهَموا بمعاداة السامية لمجرّد نقدهم للاحتلال أو دفاعهم عن حقوقهم الوطنية.

Exit mobile version