الرئيسية زوايا أقلام واراء قمة السلام.. بين الممكن والمأمول الفلسطيني .. بقلم : محمد علوش

قمة السلام.. بين الممكن والمأمول الفلسطيني .. بقلم : محمد علوش

ليست هذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها قمة تحت عنوان “السلام”، ولن تكون الأخيرة ما دام الاحتلال جاثماً على الأرض الفلسطينية، وما دامت العدالة الدولية تختزل في معادلات المصالح والقوة، غير أن هذه القمة التي رعتها الولايات المتحدة ومصر جاءت في لحظة بالغة الحساسية والتعقيد، حيث يتقاطع فيها الألم الفلسطيني الممتد منذ أكثر من سبعة عقود مع إرادة البقاء والصمود، وتتقاطع فيها كذلك الحسابات الإقليمية والدولية مع حاجة شعوب المنطقة إلى الأمن والسلام والاستقرار.

لقد تناولت القمة قضايا أولية وملحّة: وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، والمساعدات الإنسانية، والانسحاب الإسرائيلي، وهي قضايا تمسّ جوهر المأساة اليومية التي يعيشها أبناء شعبنا في قطاع غزة، ذلك الجزء الجريح من الوطن الذي يرزح منذ عامين تحت نيران العدوان الإسرائيلي الممنهج، وسط دمار شامل وحصار خانق وجرحٍ مفتوح لم يندمل بعد.

ومع أهمية هذه الملفات الإنسانية والأمنية، فإنها تظلّ مقدّمة ضرورية لا بديلاً عن الحلّ السياسي العادل والشامل، ذلك الحلّ الذي يعيد الاعتبار للحقوق الوطنية الفلسطينية غير القابلة للتصرّف كما أقرتها قرارات الشرعية الدولية وأكدتها كل الأعراف والمواثيق الأممية.

إننا كفلسطينيين، لا نرفض السلام، بل نحن أبناء فكرة السلام الحقّ، السلام القائم على العدل والحرية وكرامة الإنسان، سلامٌ يعيد للأرض أهلها، وللوطن سيادته، وللشعب حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس، أما أي “سلام” يفرض تحت ضغط القوة أو يغفل جذور الصراع التاريخي، فهو ليس سوى هدنة مؤقتة تؤجّل الانفجار ولا تمنعه، لأن السلام الذي لا يقوم على العدالة يتحوّل إلى استسلام مغلّف بوعود زائفة.

وفي هذا السياق، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تتجه نحو محورين استراتيجيين مترابطين: الأول، إعادة إعمار غزة، باعتبارها أولوية إنسانية ووطنية وأخلاقية، تتطلّب تضافر الجهود الفلسطينية والعربية والدولية، لإعادة الحياة إلى هذا الجزء المنكوب من الوطن، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو أية شروط إسرائيلية أو ابتزاز دولي، أما المحور الثاني، فهو الانتقال من هدنة الضرورة إلى سلام الإرادة، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، عبر مؤتمر دولي شامل يعقد برعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة القوى الكبرى والفاعلة إقليمياً، من أجل وضع الأسس السياسية والقانونية لتسوية عادلة ومتوازنة تضمن إنهاء الاحتلال وتحقيق حلّ الدولتين على نحو عمليّ وملزم لإسرائيل، الكيان القائم بقوة الاحتلال.

إن قمة السلام الأخيرة، رغم ما يحيط بها من تعقيدات ومحددات، تفتح نافذة أمل في جدار العتمة الطويل، شرط أن يبنى عليها موقف فلسطيني موحّد وصلب، يدرك أن لا سلام حقيقياً بلا إنهاء الاحتلال، ولا استقرار دائماً دون عدالة، فالتجارب التاريخية أثبتت أن كل المبادرات التي تجاهلت الجوهر السياسي للصراع تحطّمت على صخرة الوعي الفلسطيني ورفضه لأي تسوية تنتقص من حقوقه.

لقد علّمتنا التجربة أن الدم الفلسطيني لا يمحى بقرارات سياسية ولا ترمّم آثار المجازر بخطب دبلوماسية، فوحده الحلّ السياسي القائم على الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني هو الذي يفتح الأفق أمام مستقبل مختلف، عنوانه الحرية والسيادة والكرامة الوطنية والإنسانية.

نحن نرحّب بكل جهد دولي أو إقليمي صادق يسعى إلى إنهاء العدوان ورفع المعاناة عن شعبنا، ولكننا نؤكد أن السلام العادل لا يمنح بل ينتزع، وأن الإرادة الوطنية الموحّدة هي الشرط الأول لأي مشروع وطني ناجح، وقد لا يكون الطريق إلى ذلك سهلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يليق بتضحيات شعب قدّم آلاف الشهداء في سبيل حريته، وما زال يؤمن بأنّ غده سيكتب بالدم والصبر والحكمة معاً، وبأنّ السلام الذي يولد من رحم العدالة هو وحده القادر على البقاء.

إنّ ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من المؤتمرات، بل رؤية فلسطينية موحدة تنطلق من الثوابت الوطنية وتحسن قراءة التحولات الدولية، رؤية تدرك أن العالم يتغيّر وأن موازين القوى لم تعد حكراً على قطب واحد، وأنّ إرادة الشعوب قادرة على إعادة صياغة التاريخ متى امتلكت وضوح الهدف وصلابة الموقف، وهذا هو الدرس الأعمق الذي يقدّمه الفلسطينيون للعالم، أن الحرية لا توهب، وأنّ العدالة لا تستورد، وأنّ السلام الحقيقي يبدأ من إنهاء الاحتلال، لا من التعايش معه.

 

 

Exit mobile version