
وفي فلسطين، يكتسب هذا اليوم معنى خاصًا، إذ تتجسد فيه صورة المرأة الفلسطينية التي لم تكن يومًا ما على هامش الحياة، بل كانت وما زالت في قلب الأرض، تحميها بيديها وتزرعها بالأمل رغم قسوة الاحتلال والظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.
المرأة الريفية في فلسطين هي حارسة الأرض والذاكرة، فمنذ عقود، شكّلت المرأة الريفية الفلسطينية خط الدفاع الأول عن الأرض والهوية؛ فهي المزارعة، والراعية، والحارسة للأشجار، والمنتجة التي تزرع الزيتون والقمح والعنب والزعتر.
وقفت المرأة الفلسطينية بإصرار في وجه جدار الضم والتوسع العنصري والاستيطان ومصادرة الأراضي، تجمع المحصول وتعيد إعمار ما يهدمه الاحتلال، وتحوّل بيوت الطين إلى مصانع صغيرة للحياة والإنتاج.
تساهم النساء الريفيات في فلسطين بنسبة كبيرة من النشاط الزراعي، إذ تشكّل العاملات في القطاع الزراعي أكثر من 25% من القوى العاملة النسائية، وغالبًا ما يعملن في ظروف صعبة، دون ضمان اجتماعي أو حماية قانونية كافية، ومع ذلك يواصلن العمل والعطاء حفاظًا على الأمن الغذائي لأسرهن ومجتمعهن.
بين الصمود والتحديات تواجه المرأة الريفية الفلسطينية جملة من التحديات المتشابكة، على رأسها سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تستهدف الأرض والموارد المائية، وتحاصر القرى، وتمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، يضاف إلى ذلك ضعف البنية التحتية في المناطق الريفية وقلة فرص التسويق والدعم الفني، وغياب التمويل للمشاريع النسوية الإنتاجية.
كما تعاني النساء من الفجوة في الأجور، ومن محدودية فرص التعليم والتدريب المهني، ما يحد من قدرتهن على تطوير مشاريعهن أو تحسين مستوى المعيشة. ورغم كل ذلك، تظل المرأة الريفية الفلسطينية نموذجًا للصمود والإبداع، إذ نجحت الكثير من الجمعيات النسوية الريفية في تطوير منتجات محلية مثل الأجبان البلدية، والمربيات، والأعشاب الطبية، والمطرزات، وتسويقها محليًا وعالميًا.
إن تمكين المرأة الريفية في فلسطين ليس مجرد شعار، بل هو ضرورة وطنية وتنموية، فكل مشروع صغير تديره امرأة ريفية هو نواة لاقتصاد مقاوم، وكل شجرة تزرعها امرأة هي فعل بقاء ومقاومة.
يتطلب دعم المرأة الريفية تعزيز وصولها إلى الموارد (الأرض، المياه، التمويل)، وتوفير التدريب والإرشاد الزراعي، وحمايتها من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، كما يجب أن تتكامل الجهود بين المؤسسات الحكومية والمنظمات النسوية، والأطر الحزبية والمجتمعية من أجل إدماج قضايا المرأة الريفية في السياسات التنموية الوطنية.
في هذا اليوم، نقف إجلالًا لكل امرأة ريفية فلسطينية تشقّ دربها بين الحقول والتلال، تحمل سلة الزرع بيد وراية الوطن باليد الأخرى.
هي التي تزرع الحياة في وجه الدمار لتثبت أن المرأة الفلسطينية رمز للعطاء، وعنوانً للصمود والبقاء.
فمن قلب الريف الفلسطيني تولد الحكاية، حكاية شعبٍ يزرع حريته بعرق نسائه ورجاله ويكتب مستقبله بإصرار لا يلين.