وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى شرم الشيخ المصرية للقاء عدد من قادة الإقليم والعالم، مكتسياً بكامل الغرور الذي يمكن أن يحمله رئيس في العالم بعد خطاب “الإمبراطور” الاستعماري أمام الكنيست الإسرائيلي الذي صفق له أعضاؤه مراراً، وهم يستمعون إليه يؤكد: “لقد انتصرت إسرائيل، بمساعدتنا، بكل ما في وسعها بقوة السلاح. لقد انتصرتم”. متجاهلاً أن هذا “الانتصار” ما هو إلا إبادة من أفظع الجرائم التي شهدها التاريخ، قديمه وحديثه، وأن الولايات المتحدة شريكة فيها، تمويلاً وتسليحاً ودعماً سياسياً.
يعتقد الرئيس الأمريكي، بحسب خطابه أمام الكنيست، أن الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة يمثِّل نهاية “الكابوس المؤلم” للإسرائيليين.. والفلسطينيين. لكن إرث العلاقة العربية والفلسطينية تحديداً مع “أفضل صديق لإسرائيل في البيت الأبيض” تقول ربما إن “كابوساً جديداً” قد يبدأ في حياة الفلسطينيين، ليستكمل كابوسهم المستمر منذ سبعة وسبعين عاماً. كابوس تجاهله ترامب تماماً في هذا الخطاب. هروبه من الحديث عن حل الدولتين مثلاً ما هو إلا انعكاس لرؤيته القاصرة اللحظية للقضية الأعقد في العالم.
يريد الرئيس الأمريكي أن يُقنع نفسه والعالم بأن “أعظم إنجاز للسلام” هو إيقاف شلال الدم المتدفق في غزة، وفق منطق استعماري إمبريالي تاريخي: تصعيد الأزمات حتى الاختناق بحيث يبدو أي “تخفيف للمصيبة” بمثابة “الإنجاز المُتنظر” و”الحل الذي لا يُضاهى”. بهذا المنطق، مارس ترامب نفس السياسة الاستعمارية التي تهدف إلى تكريس الأمر الواقع الذي يبدو “أفضل المُتاح حالياً”، وصولاً إلى التغلغل السياسي ومن ثم التدجين العسكري وترسيخ الاحتلال أمراً واقعاً تجاوزته الأحداث.
أما فيما يخصُّ عدم استئناف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرب الإبادة الجماعية على غزة، فظهر ترامب بمظهر “الناصح” الذي لا يملك أي ضمانات. قال الرئيس الأمريكي لحليفه الإسرائيلي: “اربح، ولا تستأنف الحرب”. تبدو الجملة نصيحة لا شيء يُلزم نتنياهو بها، سوى أن ترامب “أغراه” بتعليق ارتجالي طالباً من الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ أن “يعفو” عن جرائم فساد نتنياهو التي أنقذته من استمرار محاكمته فيها سنتان من الإبادة الجماعية ضد شعبنا الفلسطيني في غزة.
وصل ترامب إذاً إلى شرم الشيخ وأطلق شعارات “السلام” المُنتظر أمام القادة الحاضرين، ووقع مع تركيا ومصر وقطر على وثيقة اتفاق غزة لضمان إنهاء الحرب. غياب نتنياهو بذريعة “اقتراب موعد الأعياد” يعكس أمرَين: إما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يملك إجابات حقيقة عن اليوم التالي لهذا الإعلان، وبالتالي فإن حضوره سيكشِّل إحراجاً له، وإما أنه خشي أن يصافح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في القمة فيظهر أمام اليمين الإسرائيلي وكأنه “اعترف” بحل الدولتين، وهو الأمر الذي لن يسمح نتنياهو أن يخرق صورة “الانتصار” الذي يروِّج له. تل أبيب لا تريد حل الدولتين ولا تقبل به، ويساندها في ذلك الأمريكي بكل وضوح.
ينظر الرئيس الأمريكي إلى الخلاصات التي وصلت إليها الأمور بعد عامَين متواصلَين من حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ومن تغيير كثير من مفردات السياسة في الشرق الأوسط، على أنه ترسيخ لفكرة “التفوق الإسرائيلي”. لهذا انتظر ترامب 24 شهراً كي يسعى لوقف حرب الإبادة في غزة، وقت كافٍ برأيه لـ “تركيع الفلسطينيين”. لهذا أيضاً يصمت ترامب ويصمت العالم الغربي المتحالف معه عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان والتوغل غير الشرعي في الأراضي السورية ما بعد سقوط النظام نهاية العام المنصرم والبلطجة العسكرية على دول المنطقة. وبناء على ذلك، فإن الترويج الأمريكي لفكرة “حان وقت السلام” ما هي إلا محاولة للإعلان أن “الشرق الأوسط الجديد” الذي عملت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ ما قبل غزو العراق عام 2003 قد اكتمل. شرق أوسط “تقوده” أمريكا وتتسيَّده “إسرائيل”.
وهناك الكثير من المفردات التي تدعونا للتشكيك بالنوايا الأمريكية، والإسرائيلية أيضاً. فإلى جانب حقيقة أن لا التزامات من قبل حكومة نتنياهو بعدم استئناف الحرب على القطاع المُثخن بالجراح، واستمرار الاعتداءات على الضفة المكلومة أيضاً، لم يستحضر ترامب القانون الدولي في خطابه أمام المجتمعين في شرم الشيخ، بل إن بنود الاتفاق نفسه تتحدث بطريقة خالية عن السعي “لأن يحقق الجميع بالمنطقة طموحاتهم في سلام وأمن وازدهار”، بعد أن تبني “إسرائيل” وجيرانها “العلاقات الودية والمثمرة” التي ترحب بها واشنطن! مع التأكيد على أن هذا المشروع طويل الأمد: “نلتزم بالعمل معا لبناء أسس تمكن الأجيال المقبلة من الازدهار معا في سلام”. الهدف ليس مَن قتلوا ويقتلون اليوم. الهدف تخريج أجيال تسعى للعيش بـ “سلام” بعد أن يترسخ حكم الأمر الواقع بالاحتلال وقضم الأراضي وضياع الحقوق.
لم يتحدث الطرح الأمريكي عن طريقة الوصول إلى هذا “السلام الشامل” دون أن تكون السلطة الفلسطينية مشاركة فعلياً وبشكل أساسي في إدارة شؤون القطاع بعد الحرب، وللملاحظة فإن “فكرة” السلام الأمريكية تتعلق بقطاع غزة فقط، وكأن القضية الفلسطينية متعلقة بالقطاع وحده، على أهميته بالتأكيد، لكن ماذا عن الضفة؟ وعن القدس؟ وكل الأرض المحتلة؟؟ وحق العودة؟؟؟ وكل الحقوق التي يكفلها القانون الدولي المغيَّب عن كل الطروحات الأمريكية؟؟!! الأمر بالنسبة لترامب يتعلق بالمال فقط، وبيت القصيد فيه غزة، التي يحتاج ترامب لـ “السلام” فيها كي يبني إمبراطورية اقتصادية لم يخفِ نواياه في بنائها وإن كان لم يأتِ على ذكرها في الخطة الأخيرة. لهذا تتربع غزة وسط خطة السلام الترامبية الجديدة، وليس الضفة مثلا! وربما كانت المزحة السمجة التي وجهها الرئيس الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان خلال التقاط الصورة التذكارية التي “ستخلّد” اجتماع شرم الشيخ أحد الأدلة على ذلك: “أموالكم لا حدود لها”!
ترامب الذي يرغب بقطف الثمار سريعاً (بدليل الاحتفال الاستعراضي بـ “سلام” لم يجد طريقه للنور بعد) لم ينتبه إلى فكرة أن “ثمار زرعه في المنطقة لم تنضج (إذا افترضنا أنها ستنضج)، ذلك أن ترك القضايا الملحة معلقة يعني ببساطة ترك بذور الصراع في بيئة خصبة تنمو فيها وتتحول إلى غابة من الحقوق المسلوبة تغطي على “جنة السلام الترامبية”. الأجيال التي يتحدث ترامب عن تأسيس بيئة مناسبة لها كي تصنع السلام، هي نفسها الأجيال التي لن تنسى انها خسرت كل شيء، بسبب أن هناك من أتى من خلف البحار كي يفرغهم من جوهر وجودهم. هؤلاء هم الأكثرية، وسيواصلون الدرب مهما كانت التضحيات.
