الرئيسية زوايا أقلام واراء إلى متى تستمر معاناة المهجّرين من مخيمات شمال الضفة؟ .. بقلم :...

إلى متى تستمر معاناة المهجّرين من مخيمات شمال الضفة؟ .. بقلم : محمد عبد القادر

خلال العدوان الصهيوني على غزة، وبينما كان العالم منشغلاً بجرائم الاحتلال وحصاره وتجويعه لأكثر من مليوني فلسطيني، شنّ جيش الاحتلال الصهيوني اجتياحاً عسكرياً واسعاً مستخدماً الدبابات والطائرات ضد مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ولم تسلم مخيمات شمال الضفة الأخرى – بلاطة، عسكر، الفارعة، وعين بيت الماء – من آلة القتل والتدمير الصهيونية.

غير أن الاستهداف الأكبر كان موجهاً نحو طولكرم ونور شمس وجنين، التي يقطنها أكثر من ستين ألف نسمة، جميعهم لاجئون فقدوا بيوتهم وأراضيهم في نكبة فلسطين عام 1948.

تعدّ مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، داخل الوطن وخارجه، حاضنة للمقاومة الشعبية والجماهيرية، بل والمسلّحة أيضاً، في مواجهة الاحتلال، وهذا شرف يسجَّل لأبناء المخيمات الذين، رغم ما يعانونه من فقر وانعدام للبنية التحتية والخدمات الأساسية، أبوا إلا أن يكونوا في الصفوف الأولى، يقاومون الاحتلال ويقدّمون التضحيات والشهداء على طريق الحرية والتحرير.

في المواجهات الدامية التي دارت في مداخل وأزقة مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بين المقاومين الذين استخدموا الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة المحلية وزجاجات المولوتوف، وبين ما يسمّى “الجيش الذي لا يقهر”، تشكّلت أسطورة المقاتل الفلسطيني الذي لا يقهر، ذلك المقاتل الذي يدافع عن بيته وأرضه وحقه في الوجود، ابن اللاجئ الفلسطيني الذي هجّر في النكبة إلى المجهول، والذي أرادت غولدا مائير أن يمحى من الذاكرة حين قالت مقولتها الشهيرة: “الكبار يموتون والصغار ينسون”، لكنّ الأجيال التي خرجت من رحم النكبة والمخيمات أثبتت عكس ذلك، وأرست أسس المقاومة والثورة، فكان جيل المخيمات هو جيل التضحية والإصرار.

لقد واجهت عملية الاجتياح العسكري للمخيمات مقاومة باسلة قلّ نظيرها، وارتقى خلالها أكثر من أربعمائة شهيد وسقط العديد من الجرحى، فيما تكبّد الاحتلال خسائر فادحة في جنوده وآلياته، وقد خلّف العدوان تدميراً واسعاً للمنازل والبنى التحتية، ترافق مع حرق وتفجير وفتح شوارع واسعة لتسهيل دخول قوات الاحتلال إلى عمق المخيمات، إضافة إلى تهجير قسري لأكثر من أربعين ألف فلسطيني.

حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على العدوان، ما زال الاحتلال يمنع مئات الأسر من العودة إلى منازلها في المخيمات، التي لا تزال تحت سيطرة قواته ووحدات القناصة، ومحاطة بالحواجز الترابية والبوابات الحديدية والأسلاك الشائكة.

إنّ كيان الاحتلال يمارس سياسة العقاب الجماعي ضد المدنيين، في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، كما أن تدمير آلاف المنازل وحرقها وهدمها وإنشاء الطرق العسكرية لتسهيل تحركات قواته، والتي تجاوز عددها خمسة آلاف منزل، دليل على سياسة عدوانية ونوايا مبيّتة لتدمير الوجود الفلسطيني في المخيمات، التي ما زالت شاهداً حياً على معاناة أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني هُجّروا من ديارهم ليستقرّوا في مخيمات اللجوء والمنافي.

تتصاعد أزمة مخيمات شمال الضفة يوماً بعد يوم، فيما يستمر الحراك الوطني والشعبي المتمثّل بالوقفات الاحتجاجية أمام المخيمات، والمناشدات الموجّهة إلى وكالة الغوث والأمم المتحدة لتحمّل مسؤولياتها، وقد رفعت عشرات الكتب إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى مكتب “الأونروا” في القدس، باعتبارها الجهة الدولية المكلّفة بتقديم خدمات الصحة والتعليم والسكن والإغاثة للاجئين.

إنّ لجان الخدمات والقوى الوطنية ووكالة الغوث والسلطة الفلسطينية جميعها مطالَبة بتحمّل مسؤولياتها الكاملة. فالمعاناة حقيقية: آلاف الأسر فقدت منازلها ومصادر رزقها وكل مقوّمات معيشتها، بل حتى ملابسها، وكثير منها يعيش اليوم في غرف مؤقتة من الصفيح أو بيوت بلاستيكية أو منازل مهدّمة جزئياً، وبعضها في بيوت مستأجرة ساهمت وكالة الغوث والسلطة بتحمّل جزء من تكاليفها، إضافة إلى بعض المساعدات من المجتمع المحلي ووزارة الشؤون الاجتماعية.

إنّ قضية المخيمات هي قضية وطنية ونضالية وإنسانية بامتياز، فأبناء هذه المخيمات قدّموا الشهداء والأسرى وضحّوا بكل ما يملكون في سبيل الوطن، ومن الواجب اليوم على وكالة الغوث والسلطة الفلسطينية أن تتحملا مسؤولياتهما التاريخية، وأن تكثّفا الضغط على الاحتلال من أجل السماح بعودة الأهالي إلى مخيماتهم دون قيد أو شرط، وتوفير الحياة الكريمة لهم، لأنهم ضحّوا للوطن ومن أجل الوطن.

 

 

 

Exit mobile version