بقلم: أوري بار يوسيف /كانت التغييرات الكبيرة، التي أدت إلى انعطافة مهمة في تطور الصراع الإسرائيلي – العربي، في معظمها نتيجة عمليات نضجت ببطء، واندلعت فجأة وخلقت تغييراً دراماتيكياً، وأدت إلى تطورات غير متوقعة.
قبل أسبوع من اندلاع أزمة أيار – حزيران 1967 قدر رئيس “أمان” أنه لا يتوقع أحداثاً دراماتيكية في المستقبل المنظور.
غيرت الحرب، التي اندلعت بعد شهر من ذلك، ليس فقط وجه النظام، بل أيضاً وجه العالم العربي.
في أعقاب الانتصار الباهر في تلك الحرب كان من الواضح أنه في السنوات القادمة لن تتجرأ مصر وسورية على تحدي إسرائيل.
أثبت الواقع أن هذه كانت سنوات دموية. عشية حرب “يوم الغفران” قدر رئيس “أمان” بأن المصريين غير مستعدين لشن حرب قبل 1975.
وعشية مبادرة السلام لأنور السادات قدر وريثه في المنصب بأن الاستعداد العلني للرئيس المصري للقدوم إلى القدس هو تصريح لفظي وبلاغي فقط.
أيضا الانتفاضة الأولى، التي اندلعت في 1987، كانت غير متوقعة، وهكذا أيضاً عملية “أوسلو” التي لم تكن لتولد دون هذه الانتفاضة.
كل ذلك يجب تذكره الآن. للوهلة الأولى كارثة 7 تشرين الأول والحرب وتدمير غزة كل ذلك عمّق النزاع والكراهية، وأدى إلى نقطة عدم الحل.
ولكن التحليل الحذر للأحداث يسمح بتشخيص عمليتين، لم تحصلا على الحجم الجدير لهما في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ويخلق الدمج بينهما إمكانية كامنة للتغيير الكبير في تاريخ النزاع منذ 1967.
كانت العملية الأولى في أعقاب الحرب في قطاع غزة. كلما استمرت الحرب وفظائعها ظهرت على الشاشات في أرجاء العالم (ليس في إسرائيل)، وازداد الاعتراف بالحاجة إلى إنهاء ليس فقط الحرب بل أيضاً الوضع الذي ولدها.
العملية الثانية، وهي نتيجة الهزائم التي تكبدها “حزب الله” وإيران وسقوط نظام الأسد في سورية أدت إلى تقليص قدرات “محور المقاومة” على صد الحل السياسي.
معنى ذلك هو أن أحداث السنتين الأخيرتين أدت بشكل متناقض إلى خلق الغلاف الذي يسمح بالتغيير.
في السابق كانت هناك أوضاع، كان يبدو فيها أن السلام قريب، ولكن في نهاية المطاف هو لم ينضج.
عملية “أوسلو” تم وقفها عند قتل إسحق رابين في العام 1995، وفشل قمة إيهود باراك – ياسر عرفات في كامب ديفيد في العام 2000، واتفاق السلام مع سورية تمت إضاعته في محادثات شبردستاون في العام 2000. ولكن خلافاً لهذه الأوضاع يبدو أنه حدث الآن التقاء بين ثلاثة مركبات أساسية، تحول إمكانية الحل إلى خيار واقعي أكثر مما كان في السابق.
المركب الأول هو حقيقة أن دولة إسرائيل توجد في حالة عزلة دولية غير مسبوقة. في الواقع في تاريخ الدولة كانت هناك أوضاع مشابهة، لكن أي وضع من هذه الأوضاع لم يقترب في الشدة من الوضع الحالي. هناك أمر اعتقال من محكمة الجنايات الدولية في لاهاي ضد رئيس الحكومة. وتعترف دول العالم واحدة تلو الأخرى بحق دولة فلسطينية في الوجود وتعتبر إسرائيل كمن تضع عائقاً تجب إزاحته من أمام حل الدولتين.
خلافاً للسابق، أيضاً حرية العمل أمام الإدارة الأميركية لم تعد قائمة.
في ظل قيادة بنيامين نتنياهو أحرقت إسرائيل الجسور مع الحزب الديمقراطي، وفقدت الكثير من مكانتها أيضاً في الحزب الجمهوري.
في البيت الأبيض لا يوجد مؤيدون لسياسة الجمود الإسرائيلية، وإذا وجدوا فإن وزنهم ضئيل جداً إزاء هيمنة الرئيس ترامب.
المركب الثاني هو الرئيس ترامب، الذي سيطلق أي شيء وفقاً لخطته.
المصالح الرئيسة التي تحركه من أجل العمل معروفة جيداً، الأموال والاحترام. مالياً هو وعائلته يهتمون جيداً بالسعودية ودول الخليج وقطر وربما أيضاً تركيا. لذلك فإن إداة ضغط هذه الدول عليه أكثر أهمية من أداة إسرائيل.
ترامب أيضاً معني بالتقدير والاحترام. إنهاء النزاع ليس فقط الطريقة المؤكدة للحصول على جائزة نوبل للسلام، بل أيضاً هو الخيار الأكثر عملية.
كل ذلك لأنه حتى لو عمل على تحقيق إنجازات في أوكرانيا، إلا أنه لا يملك هناك أداة الضغط التي يمكنه استخدامها على إسرائيل.
لا ينوي ترامب فقط توسيع “اتفاقات إبراهيم”. ففي مقابلة مع مجلة “تايم” (23/10) تطرق إلى مسألة إطلاق سراح مروان البرغوثي من السجن.
تحرير البرغوثي، المرشح الأكثر طبيعية لقيادة حل الدولتين في الطرف الفلسطيني، توجد له أهمية واضحة، وهو أن الإدارة الأميركية تسعى إلى حل شامل.
عن الدافع العالي للدفع قدماً بالحل تجب إضافة أيضاً ـسلوب عمل الرئيس.
لا يدور الحديث عن جو بايدن أو أوباما، اللذين ترددا في استخدام قوتهما وأخذ من يؤيدون إسرائيل في الإدارة الأميركية في الحسبان، بل يدور الحديث عن رئيس قوي جداً، لا يتميز بتأجيل إشباع رغباته. هذا الدمج يضمن ضغطاَ شديداً، قوياً، سريعاً، ويبدو ناجعاً، من أجل خلق الظروف لحل النزاع.
خلافاً للسابق وصفة الحل، التي في أساسها إقامة الدولة الفلسطينية في حدود 1967 مع تبادل الأراضي وضمان أمن إسرائيل وإنهاء النزاع مع العالم العربي، معروفة.
هذه الوصفة تم تحديدها في “صيغة كلينتون” في العام 2000، و”مبادرة السلام العربية” في العام 2002، و”خريطة الطريق” في العام 2003. المعنى هو أنه خلافا لعملية أوسلو، التي تميزت بالنقاشات المطولة حول التوصل إلى خطة شاملة، فإنه في هذه المرة أصبحت الخطة موجودة.
الطرف الفلسطيني وافق على مبادئها، والطرف الإسرائيلي، باستثناء فترة ولاية إيهود أولمرت، عارضها بشدة. لذلك فإن إسرائيل يمكن أن تحصل على معظم الضغط الدولي.
ما زال من المبكر الآن توقع كيف ستتطور العملية، لكنّ هناك أمراً واحداً يمكن قوله بثقة: ما كان قبل 7 تشرين الأول لن يكون. لن تكون التحديات في المستقبل فقط محاكمة نتنياهو، الانقلاب النظامي، أو تجنيد الحريديم، بل أيضاً وبالأساس تقرير مستقبل دولة إسرائيل. حان الوقت لتغيير القرص.
عن “هآرتس”
