بقلم: حاييم لفنسون /مر شهر منذ عرض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خطته المكونة من عشرين نقطة في قطاع غزة. طبع الضباط المسؤولون عن برنامج التعليم في الجيش الأميركي هذه التوصيات على ورق مقوى جميل ووضعوها في القاعدة الأميركية قيد التطوير في كريات غات. عاد الرهائن الأحياء إلى بيوتهم، بينما بقي آخرون عالقين. عند إطلاق البرنامج اعتقدت الولايات المتحدة أنه في غضون شهر سيتم إنشاء “مجلس السلام” لتولي إدارة قطاع غزة. بعد أسبوع مليء بالاتصالات المدنية – بمشاركة المبعوث الأميركي ويتكوف وصهر الرئيس كوشنر ونائب الرئيس فانس ووزير الخارجية روبيو – فإنه من الواضح أن إقامة المجلس ما زالت بعيدة. ونتيجة لذلك فإن إنشاء “قوة الاستقرار” لمحاربة “حماس” تم تأجيله لموعد غير معروف، وبدأت تظهر الشكوك حول تشكيلها أصلاً.
جذر هذه المعضلة هو في طرح خطة ترامب، التي لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية، ودفعت إلى حلق “حماس” وإسرائيل. المشكلة الثانية هي “حماس”. لم يتم تشكيل “مجلس السلام” لأنه لا يوجد لأي دولة مصلحة في الالتزام بإرسال الأموال دون معرفة ماذا سيكون وضع القطاع في المستقبل، ولا يمكن معرفة ماذا سيكون الأمر مع القطاع إلى أن تقرر “حماس” ما تريد أن تكون عليه في غزة في المستقبل، وماذا سيفعلون في مسألة السلاح.
التفكير الأميركي بأن قوة عربية – إسلامية ستحارب، حرفياً، “حماس”، لا يوجد حتى الآن أي صلة له بالواقع. الدول الأجنبية مستعدة لإرسال قوات “لحفظ السلام” – نوع من شرطة زائد، ستظهر التواجد، وستوزع الزهور والحلوى، وربما أيضاً ستوزع بعض مخالفات السير. لا يوجد لديهم أي نية للانتقال من بيت إلى بيت، ومن نفق إلى نفق، والدخول في معارك واسعة مع “حماس”. بقيت المنظمة حركة شعبية في الشارع العربي، ولا أحد يريد أن يعتبر مبعوثاً للإمبريالية الغربية التي تقمع أبطال الأمة الإسلامية.
إندونيسيا، التي وعدت بإرسال آلاف الجنود، تبين أنها قصبة ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها. رئيسها، برافو سوفيانتو، يعتبر شخصاً غير ثابت في مواقفه، وفي اليوم ذاته يمكنه الإعلان عن حرب نووية في إسرائيل وفي الوقت ذاته الإعلان عن اتفاق سلام. مصر غير متحمسة للدخول بشكل عميق إلى قطاع غزة، والإماراتيون يوافقون، ولكن مواردهم البشرية محدودة. في زيارة تعبئة الوقود في الدوحة، أول من أمس، تحدث ترامب عن إرسال قوات قطرية – مثال كلاسيكي لعدم معرفته بالتفاصيل. لا يوجد لقطر قوات. فعلياً شرطتها هي نموذج للشرطة في غزة: تستورد قطر رجال شرطة من كينيا وتضع عليهم مراقبين محليين كبار، في ظل نقص السكان القطريين الأصليين في شبه الجزيرة.
تجري الاتصالات لحل الأزمة في القاهرة. هناك وراء الكواليس تجري نقاشات بين مصر و”حماس” والسلطة الفلسطينية ودول عربية، هدفها التوصل إلى خطة متفق عليها بشأن المرحلة الثانية. من الواضح أن “حماس” ستضطر إلى “نزع سلاحها”. السؤال هو بالطبع: ما هو هذا السلاح؟ وما الذي ستحصل عليه “حماس” في المقابل؟ لا تنوي “حماس” فتح نوادي تزلج في الريفييرا الغزية لترامب، بل تريد إدارة غزة من وراء الكواليس. يأمل المصريون أن تتراجع “حماس” خطوة كبيرة إلى الوراء، وتسلم سلاحها بصورة ذاتية، وتتصالح مع السلطة الفلسطينية، وتدعو “الأخوة العرب” لإعادة إعمار غزة من أجل الجميع.
يبدو أن المفاوضات في القاهرة بعيدة جداً عن خطة متفق عليها. ولا يهم ما الذي سيتم الاتفاق عليه بشأن السلوك في المرحلة الثانية، من الواضح أن ذلك لن يكون مقبولاً على إسرائيل. الحد الأعلى الذي “حماس” مستعدة لإعطائه غير قريب من الحد الأدنى الذي بنيامين نتنياهو مستعد لأخذه، وبالتأكيد عندما يكون سموتريتش وأوريت ستروك يمسكان بعنقه ويذكرانه بأن “حماس” ما زالت حية وقائمة في المناطق التي يحتلها في غزة.
في غضون ذلك يدرك الأميركيون أن إسرائيل متحمسة لتفجير اتفاق وقف إطلاق النار. وقد وعدوا في اللقاء الشخصي مع أحد قادة “حماس” الكبار، خليل الحية، بأنهم يضمنون عدم حدوث ذلك. زيارة الوفود الغربية في الدوحة وفرت لترامب فرصة أخرى لإظهار حبه الكبير لأمير قطر ومحفظته المنتفخة، باستضافة استثنائية ونادرة لزعيم أجنبي على متن “إير فرانس 1”. مصالح قطر واضحة: مقابل كل تصفيق حصل عليه ترامب في الكنيست في إسرائيل يحصل ترامب على حقيبة ذهبية (مجازية). نقل نائب الرئيس فانس لإسرائيل رسالة تفيد بأن أي تحرك عسكري طفيف من قبل إسرائيل في غزة يحتاج إلى إخطار أميركي مسبق، أي حق نقض أميركي. تدعم الولايات المتحدة “حماس” في مسألة تسليم جثث المخطوفين، وتعطي الحركة مهلة لإعادتهم جميعاً. تحت الضغط الأميركي، تم إرسال قوات هندسية مصرية إلى غزة للبحث عن الجثث. وقد غرد ترامب، الذي يزور آسيا، بأنه يتابع التطورات. ومن المؤكد أننا سنشاهد، هذا الأسبوع، إعادة عدد آخر من جثث المخطوفين.
تشرف الولايات المتحدة على كل شيء، بدءاً من القاعدة في كريات غات. هي في الواقع منشأة تجسس أجنبية في إسرائيل، هدفها مراقبة كل عمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة لضمان عدم خرقها لوقف إطلاق النار. على المدى البعيد تناقش واشنطن ما يجب فعله. من جهة تحاول تشكيل عدة تحالفات دولية. وفي الوقت ذاته تتبلور فكرة البدء في إنشاء بنى تحتية مؤقتة في رفح، من خلال جمعيات أفنغلستية – كرفانات وخيام ومدارس وأماكن عمل – بغطاء أمني من الجيش الإسرائيلي لإثبات أن “حماس” ليست إلهاً وأن القطاع يمكنه التعافي دونها. هذه الخطة حتى الآن لا يوجد لها أي تمويل. في نهاية المطاف سيقع هذا الأمر على عاتق إسرائيل.
عن “هآرتس”
