من يزرع بذورا يحصد ثمرا، ومن يزرع الأوهام يحصد خيبة ومآسي. وإذا ما نظرنا إلى تاريخ الكيانات والدول العربية نجد أن القادة والزعماء وأصحاب السلطة غالبا ما استخدموا الخطاب الكاريزماتي وزراعة الأوهام لتزييف الوعي العام وكوسيلة للسيطرة على الشعوب وتوجيه بوصلتها نحو اهداف تخدم أصحاب السلطة، وبالمحصلة تكريس أنظمة دكتاتورية شمولية تؤمن استمرارهم في السلطة على المدى الطويل. وهم في كل الحالات بحاجة إلى الاستثمار في قضية عادلة يركبون صهوتها ويستخدمونها لتقديم خطاب سياسي عاطفي زائف يخلق حالة من النشوة والانصياع اللاارادي لدى الجماهير التي تبدأ بتصديق وعود غير منطقية والنظر إليها على انها حقائق، فكيف إذا كانت هذه هي قضية فلسطين التي تحمل من الطهر والقداسة والتعقيدات ما لم ولا تحمله أي قضية أخرى.
ويبدو أن القادة والزعماء تعلموا الخداع وزراعة الأوهام من المستعمرين الذين توالوا على هذه المنطقة ونهبوا خيراتها. فقد خدعت بريطانيا العرب خلال الحرب العالمية الأولى بوعدها لهم بقيام دولة عربية مستقلة مقابل الثورة ضد العثمانيين، لكنها نكثت بالوعد عبر اتفاقات سرية مثل سايكس_بيكو مما أدى إلى تقسيم المنطقة بدلا من توحيدها. فقد قاد الشريف حسين بن علي عام ١٩١٦ الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بدعم من بريطانيا التي وعدت العرب عبر مراسلات حسين-مكماهون بدولة عربية تشمل معظم المشرق العربي بعد انتهاء الحرب. نكثت بريطانيا بوعدها وأدرك العرب حجم الخداع وان ذلك ما كان إلا زراعة للاوهام، لا سيما وان بريطانيا كانت قدمت عام ١٩١٧ وعد بلفور الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. لقد تمكنت بريطانيا من زراعة وهم عاطفي زائف في قلوب العرب دعمته باختراق مكنوناتهم السيكولوجية باختراع “لورانس العرب”، ليكتشفوا بعد فوات الأوان أن دولة الاستعمار البريطاني استخدمت الثورة العربية الكبرى أداة في حربها ضد العثمانيين.
لكن عوضا عن استقاء الدروس والاستفادة من تجارب الماضي، عمد النظام العربي الى استخدام ذات الأدوات لتقديم “القائد ” كمنقذ للأمة أو كزعيم خالد يخلق ارتباطا عاطفيا من خلال الاستثمار في قضية فلسطين ورفع شعارات التحرير واستخدام خطاب “المؤامرة ” لممارسة القمع ومنع أي تقدم مجتمعي أو اقتصادي، وتبرير الفشل والاخفاقات على الصعيد الداخلي وتحميلها للمؤامرات الخارجية وتوجيه الغضب نحو الخارج بدلا من مساءلة السلطة، حيث تصبح الشعوب غير قادرة على التمييز بين الواقع والوهم. وفي معظم الحالات تغرق الشعوب في الأوهام حيث يتم تغييب التفكير النقدي، وهذا ما كان سائدا بعد النكبة حيث كانت الشعوب غارقة بالشعارات الرنانة برمي اليهود في البحر، إلى أن جاءت نكسة عام ١٩٦٧ ووصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. كذلك فإن زرع الأوهام من خلال التركيز على الشعارات بدلا من السياسات الفعالة أدى إلى تراجع في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد كما أدى إلى تعزيز سلطة “القائد ” أو “الزعيم” ، أكان ذلك الزعيم سياسيا أو دينيا، مما كرس منهجية ثقافة الاستسلام للواقع والخوف من التغيير.
وإذا كان النظام العربي يمارس زراعة الوهم لتغييب الفكر النقدي والتحكم بالشعوب وادامة حكمه، فإن التيارات والجماعات الدينية لم تجد صعوبة في غسل العقول وتسطيحها وربط القضايا الوطنية بكل مندرجاتها السياسية والاجتماعية والاعلامية والاقتصادية بمفاهيمهم الخاصة، متخذين قضية فلسطين ركيزة أساسية لزراعة الوهم حول حصرية التحرير بهم باعتبارهم وكلاء الله في الأرض والمؤتمنين على الدين.
فمنذ النكبة لعبت التيارات الدينية دورا في توظيف فلسطين لأغراض سياسية وايديولوجية، مما ساهم في تعقيد الصراع وتحويله إلى صراع ديني في كثير من الأحيان، خاصة بعد صعود جماعة الإخوان المسلمين وربطها لقضية فلسطين بمفهوم “الجهاد” واعتبار تحريرها واجبا دينيا. فقد ربطت هذه الجماعات قضية فلسطين بمفاهيم دينية مثل “الفتح” والنصر الإلهي ” مما خلق تصورا بأن التحرير مسألة وقت لا أكثر وانه سيأتي عبر معجزة أو تدخل رباني، مما ساهم في ترسيخ الأوهام عبر خطاب تعبوي يبالغ في الوعود ويغيب الواقعية السياسية، مما أدى إلى احباطات شعبية وتضليل في فهم طبيعة الصراع. كما أن شعارات مثل “الطريق إلى القدس يمر عبر الجهاد” أو شعار “الخلافة القادمة ستحرر فلسطين “، مع غياب كامل لأي آليات واضحة أو واقعية لتحقيق هذا الهدف، خلقت حالة من التعبئة العاطفية غير المستندة إلى خطة استراتيجية ولا تتطابق إلا مع بذور الأوهام التي استطاعوا غرسها في عقول الكثيرين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين ذاتها التي اعتبرت تحرير فلسطين واجبا دينيا، تنصلت من هذا الواجب حين اعلنت في ١١ فبراير عام ١٩٦٨ عبر بيان رسمي امتناعها عن العمل العسكري ضد إسرائيل، وذلك بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، لأن التحرير برأيها يجب أن يخدم مشروعا اسلاميا واسعا، ولا يصلح في ظل هيمنة التيارات القومية واليسارية على العمل الفدائي آنذاك. ولهذا فهي تعمل على إقصاء الآخر حين تكون الفرصة مؤاتية كما حصل في انقلاب غزة العام ٢٠٠٧، ولا تعود لموضوع وحدة الصف الفلسطيني إلا حين تحشر في الزاوية.
وفي جميع الحالات، الشعب يدفع الثمن. هو ضحية وهم الأنظمة التي تعتقد انها أنشأت اوطانا، وضحية الجماعات الدينية من اخوانية وغيرها التي تعتقد بقدرتها على تغيير الكون بالايديولوجيا في عصر التكنولوجيا. ضحية ابواق الأنظمة والجماعات ووسائل اعلامها التي تجترح الأساطير وتضخم القدرات ورفع سقوف التوقعات، والنتيجة ربع مليون ما بين شهيد وجريح ومعتقل ومفقود في غزة، وقطاع مدمر وأناس باحثون عن مأوى آمن ولقمة يسدون بها جوع أطفالهم، فقوة الاصطدام حين الوقوع تكون بمستوى ارتفاع السقوف، وزراعة الأوهام تؤدي إلى الخيبة. وهذا الوضع ينطبق على لبنان وجنوبه المدمر.
وهنا نتذكر مقولة لأحد أبرز مجرمي الحرب الصهاينة موشيه ديان الذي تولى مناصب رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي ووزارة الزراعة والدفاع والخارجية، ويعتبره الصهاينة بطل حرب ١٩٦٧ حين قال: “يميل العرب إلى خداع أنفسهم. إنهم يعيشون في عالم من الأوهام كالذي يتعاطى الحشيش ليوهم نفسه انه يعيش في الفردوس. يتحدثون عن أمجاد الماضي وحينما يفعلون فإننا نبتسم لأنهم يرون أنفسهم في مرآة الماضي، أما نحن فإننا نراهم في مرآة الحاضر”.
ومع انه عدو قاتل، إلا ان كلامه يستحق التوقف عنده. بالكف عن زراعة الأوهام، والنظر في مرآة الحاضر ورسم استراتيجيات واقعية تضمن بقاءنا ووجودنا وتحافظ على انجازاتنا.
