بقلم: عميت يغور /نظرية “صدام الحضارات”، التي قدّمها عالِم السياسة الأميركي، صموئيل هنتنغتون، تقول، إن الهوية الثقافية والدينية ستكون المصدر الرئيسي للصراعات في العالم، بعد الحرب الباردة. لقد رأى هنتنغتون أن الحضارات، في عصر ما بعد الحرب الباردة، ستشكل القوة المحركة الأساسية في العلاقات الدولية: فالناس يعرّفون أنفسهم وفق انتمائهم العرقي والديني، وبالتالي ينظرون إلى علاقاتهم بالآخرين من مجموعات عرقية، أو دينية مختلفة، من خلال ثنائية “نحن”، في مقابل “هُم”.
تخلق هذه الفوارق خلافات بشأن مسائل متنوعة، وتؤدي إلى خطوط تصدُّع حضارية لا مفرّ منها، وعلى سبيل المثال فيما يتعلق بمحاولات الغرب نشر قيَمه حول العالم، أو في محاولات الإسلام “المتطرف” و/أو السياسي (بعضه من مدرسة “الإخوان المسلمين”) السيطرة على مراكز القوة في الغرب.
بهذا المعنى، بات واضحاً للجميع أن ما نشهده، اليوم، في أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل هو بالضبط ذلك الصدام الذي تحدّث عنه هنتنغتون، لكن الجديد هو أنه إذا ركزنا على العالم العربي فسنكتشف حرباً مشابهة داخل الإسلام نفسه. نشهد، الآن، صدام حضارات بشأن المكانة والقوة في الشرق الأوسط بعد الحرب، وفي ظل نظام إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة بشكل شبه كامل (PAX AMERICANA 2).
الحضارة “أ”: محور المقاومة الشيعي
يشمل إيران و”حزب الله” و”حماس”، المنهمكين في هذه الأيام في جهود إعادة بناء مكثفة، وفي حرب إعلامية، ومحاولات فتح جبهات “إرهابية” جديدة، مع السعي للحفاظ على مكانتهم الإقليمية (يقوم وزير الخارجية الإيراني بجولات مكوكية من دون توقّف)، وبمساعدة روسيا والصين.
الحضارة “ب”: محور الإسلام السّني “المتطرف”
يشمل قطر وتركيا، اللتين تحاولان الحلول محل محور المقاومة الشيعي، وتحتلان مواقعه، وخصوصاً بشأن الموقف المعادي لإسرائيل، لكن باستخدام منصة “الإخوان” (التغلغل السياسي والاجتماعي والاقتصادي)، أكثر من استخدام مسار “حماس” القائم على “الإرهاب”.
الحضارة “ج”: الدول العربية السّنية المعتدلة
وتشمل السعودية والإمارات والأردن ومصر، مع تذبذُب مصر بين تهديد “الإخوان” لأمنها القومي وبين المكاسب السياسية التي يمنحها لها استمرار حُكم “حماس” في غزة (تهدئة سيناء، عبر اقتصاد التهريب وتحويل اهتمام إسرائيل بعيداً عنها). إن هذا المحور (على مستوى القيادة، وليس الشعوب) ينظر بعقلانية، ويريد مكاسب اقتصادية تساعد على استقرار أنظمته ومنع النفوذ الخارجي، وفي الأغلب لا يتحرك من منطلقات دينية (السعودية نفسها تمرّ بمرحلة تغيير).
من هذه الزاوية يمكن فهم الأسبوع الحاسم، والاجتماع المرتقب في البيت الأبيض بين ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي ترامب؛ فالسعودية تدخل إلى الاجتماع، وهي بحاجة إلى خطوات وترتيبات تساعدها على تعزيز مكانتها في النظام الإقليمي الجديد. والطريق إلى ذلك، من وجهة النظر الأميركية، تمرّ عبر الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” والتطبيع الرسمي مع إسرائيل (الأمر الذي كان قريباً جداً من التحقق قبل 7 أكتوبر).
وفي هذا السياق، يجب أيضاً فهم الاجتماع الذي عُقد، الأسبوع الماضي، مع الرئيس السوري؛ فسورية، بموقعها الجغرافي وإمكاناتها، هي ساحة المعركة المادية الرئيسة التي تتصادم فيها حالياً حضارات الشرق الأوسط. لقد انتُزعت من يد محور المقاومة الشيعي، ونحن، الآن، في قلب معركة شرسة بين السعودية وتركيا على مَن ستكون الأكثر تأثيراً في سورية بعد الحرب، ومَن سيقود عملية إعادة الإعمار ذات المكاسب الاقتصادية والسياسية الهائلة.
لكن مَن سيحدد اتجاه سورية هو ترامب. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم الجهد التركي الخاص في التسوية بخصوص غزة (بدافع رغبتها في الانخراط المباشر في الموضوع الفلسطيني)، ومن الجهة الأُخرى الالتزامات السعودية حيال استثمارات ضخمة في الولايات المتحدة.
هناك مساران محتملان في الهيكل الاقتصادي الإقليمي الجديد الذي تحاول إدارة ترامب دفعه:
– من الهند، عبر الإمارات والسعودية، وصولاً إلى إسرائيل، كمخرج بحري نحو أوروبا.
– من الهند، عبر دول الخليج، إلى الأردن، ثم شمالاً إلى تركيا، أو عبر آسيا الوسطى نحو تركيا، كمخرج برّي إلى أوروبا. وتحاول تركيا ترسيخ هذا المسار حالياً، من خلال اتفاقيات تشمل إنشاء خطوط سكة حديد، ومن الواضح أن ترامب يفضل المسار الأول، بشرط التعاون السعودي – الإسرائيلي، والذي يتطلب انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
ولدى السعودية ميزة لا تملكها تركيا، وهي غياب العداء الأيديولوجي لليهود، وعدم منح الملاذ لمنظمات مثل “حماس”، حيث سيحاول ترامب، حسبما اعترف، دفع السعودية إلى الموافقة على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، في خطوة قد تفجّر النظام الإقليمي القديم، وتؤثر في الوضع في غزة وسورية وغيرهما، وأحد أسباب هجوم 7 تشرين الأول كان توقُّع اقتراب توقيع السعودية.
من المؤكد أن السعودية ستطلب طائرات F-35 وتحالفاً دفاعياً، وربما تطلب أيضاً برنامجاً نووياً مدنياً. ويبقى السؤال: ما الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة وإسرائيل، في مقابل دخول السعودية الفوري في الاتفاقيات؟
هذا الأسبوع، قد يمرّ الاصطدام التكتوني في الشرق الأوسط بنقطة تحوُّل إذا أعلنت السعودية استعدادها للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، لكن تبقى ملاحظة مهمة: يجب أن نتذكر طبيعة السعودية وتاريخها، والتعامل معها من منظور مصالح باردة، وعدم تصديق كل ما يقال من دون رقابة ميدانية على دورها في إعادة إعمار سورية وغزة.
عن “معاريف”
