الرئيسية زوايا أقلام واراء التمرد يبلغ “حركة” ترامب.. فما هي خياراته لاحتوائها؟  بقلم: خليل حمد

التمرد يبلغ “حركة” ترامب.. فما هي خياراته لاحتوائها؟  بقلم: خليل حمد

 

خلال حملته الانتخابية، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شعارات رنانة حشدت اليمين الأمريكي المتطرف لـ “تفوق العرق الأبيض” خلف اسمه، ونقلته إلى البيت الأبيض للمرة الثانية. شعارات اتخذت طابع المواجهة مع الجميع تقريباً، في الخارج الأمريكي بشكل أساسي، وفي الداخل أيضاً، وإن بنسبة أقل.

غير أن الشعارات التي أدخلت الولايات المتحدة في مواجهات متزامنة مع دول عديدة، بدت غير قابلة للتطبيق بالشكل الصارخ الذي روج له ترامب وعززه بخطابات شعبوية تحمل نزعات قومية متعصبة للولايات المتحدة وكأنها تعيش وحدها على كوكب الأرض.

اضطر الرئيس الأمريكي بعد أقل من عام على وصوله إلى البيت الأبيض إلى التراجع عن بعض هذه السياسات، ما أغضب أنصاره الذين باتوا يُعرفون باسم حركة “ماغا” أو “Make America Great Again” “اجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، الأمر الذي انعكس بوادر “تمرد” داخل الحركة ضد ترامب، وهو الذي ينسب إلى نفسه فكرة الحركة، بل ويقول إنه ” أكثر من يعرف ما يريده أنصار الحركة”.

لكن هذا الادعاء لا يشابه الوقائع التي يلحظها المراقبون. الكاتب إيكر سيسديدوس نشر في صحيفة “إل باييس” الإسبانية مقالاً تطرق فيه إلى الدلائل التي تجعله يعتقد بفكرة “التمرد” على قرارات ترامب، بل وقيادته للحركة التي تحولت إلى “مخلوق مستقل” بحسب توصيف الكاتب.

في الواقع، أثار قبول ترامب لالتحاق مئات الآلاف من الطلاب الصينيين في الجامعات الأمريكية “ثورة غضب” في الحركة، التي اعتبرت أن هذا “خيانة فاضحة” لوعوده المتعلقة بالحد من الهجرة إلى الولايات المتحدة. تعتقد الحركة أن هذا يؤثر على “نقاء” العرق الأمريكي، ويؤدي إلى خلل في أسلوب الحياة الأمريكي الخاص بالعرق الأبيض.

برر ترامب الأمر بحاجة أمريكا إلى “التفاهم مع العالم” وإلى “أشخاص موهوبين” في إشارة إلى طلاب الصين المقبولين في الجامعات الأمريكية. حقائق سياسية كان يجب أن يدركها الرجل قبل أن يُطلق شعاراته الرنانة، ويبدأ بمعاداة العالم.

الملف الآخر الذي أغضب جماهير “ماغا” هو تراجع المدعية العامة في قضية “إبستين” الشهيرة، بام بوندي، عن وعود سابقة بنشر مجموعة أخرى من الوثائق المتعلقة بالقضية. الغضب وصل مثلاً بالنائب الجمهوري المتمرّد توماس ماسي إلى اتهام الإدارة الأمريكية بحماية المتحرشين وارتكاب أخطاء في السياسة الخارجية. الشرخ بات واضحاً في صفوف المؤيدين لترامب بين الوعود الانتخابية وما ينفذه الرئيس على أرض الواقع. شرخ يحاول ترامب لملمته بالموافقة على التوقيع على مشروع القانون الذي صوت النواب الأمريكيون لصالحه، والذي يُلزم بنشر سجلات حكومية متعلّقة بقضية إبستين، ورغم أن ترامب رضخ على ما يبدو للضغوط المتزايدة، ودعا النواب الجمهوريين للتصويت لصالح القرار، إلا أن خطوة نشر الأوراق ستكون تحت الضوء، وأي تراجع من قبله سيؤكد الشكوك حول محاولته حماية أصدقائه الأثرياء والمتنفذين وعلاقتهم بالملياردير جيفري إبستين، الذي أدار لسنوات شبكة استغلال للقاصرات، وتم وصف الكشف عنها بالفضيحة التي تتوالى فضائحها المتعلقة بتورط أسماء بارزة في السياسة والفن والرياضة والأعمال والشأن العام.

خارجياً أيضاً، يبدو أن تراجع ترامب في بعض الرسوم الجمركية التي فرضها على دول عديدة، بما فيها تلك الحليفة للولايات المتحدة، خيبَّب آمال المتحمسين في الحركة، إلى جانب إنفاقه المتزايد لإنقاذ الرئيس الأرجنتيني اليميني و”الرأسمالي الفوضوي” كما يوصف نفسه. أضف إلى ذلك أداء ترامب في العديد من الملفات الخارجية، كتورطه في ضرب المفاعلات النووية الإيرانية بتحريض من الاحتلال الإسرائيلي، وحشوده العسكرية في البحر الكاريبي والمحيط الهادي التي تُنذر بضربة محتملة لفنزويلا، في مخالفة صريحة لوعوده الانتخابية بـ “تجنب المغامرات العسكرية”.

التصدع الذي يزداد عمقاً على ما يبدو يهدد ترامب بفقدان السيطرة على الحركة، لصالح أصوات بدأت تنتقد الرئيس وإدارته بشكل واضح، من بينها الصحفية والناشطة السياسية لورا لومر والقيادي القومي – الشعبوي ستيف بانون، والسياسية وسيدة الأعمال الجمهورية مارجوري تايلور غرين التي وصلت الأمور بينها وبين ترامب إلى حد القطيعة بعد أن كانت أبرز المشاركين في حركة “ماغا” والداعمين لترامب في حملته الانتخابية.

الأسماء السابقة وغيرها قد تكون مرشحة لقيادة الحركة في حال فقدان ترامب السيطرة عليها بشكل كامل، مسألة تبدو مؤثرة في مستقبل ترامب السياسي على أبواب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، التي تُعتبر استفتاء على أداء الرئيس الحالي أو الحزب الحالي الحاكم، بهذا المعنى فإن تمرد الحركة على قرارات ترامب إضافة إلى “تراجع موقع ترامب في الحزب الجمهوري”، بحسب تقرير نشرته مجلة نيوزويك، يدلل على أن الاستفتاء على أداء ترامب والجمهوريين لن يأتي بأكثر من الحد الأدنى، خصوصاً وأن الجمهوريين تعرضوا لهزائم انتخابية واسعة مؤخراً، شملت منصبي حاكمي ولايتين أساسيتين مثل فيرجينيا ونيوجيرسي، وفي نيويورك، إضافة لانتخابات محلية أخرى.

ربما تشكل موافقة ترامب على نشر ملفات “بستين” أول محاولاته لاستعادة زمام المبادرة ومنع تحوله إلى “بطة عرجاء” أو إلى “عبء” على الجمهوريين. أما بقية المحاولات لاستعادة زمام المبادرة فقد تتخذ أشكالاً أقوى وأشد تأثيراً، في الداخل من خلال حملات جديدة على المهاجرين، ونشر المزيد من عناصر الحرس الوطني لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وربما من خلال التضييق على منح دراسية للطلاب الأجانب.

خارجياً، قد يلجأ الرئيس إلى تفعيل “محاولات التهدئة” التي كان يقودها في غير مكان في العالم، مع روسيا في الملف الأوكراني ومع الصين في موضوع تايوان، لكنه قد يُضطر للتراجع عن تخفيضات في الرسوم الجمركية، بل وربما فرض رسوم جمركية جديدة على أكثر الدول تبادلاً اقتصادياً مع الولايات المتحدة، ما سيعيد تفعيل الحروب الاقتصادية من جديد.

خيارات عديدة أمام ترامب لا يمكن الجزم بها، لكن المؤكد أن الأيام القادمة ستحمل خطوات تكتيكية من قبل الرئيس الأمريكي في محاولته لاحتواء “العاصفة الكاملة” ضده، ومحاولة قلب اللعبة لصالحه.

 

Exit mobile version