
إن منظمة التحرير، بصفتها الكيان التمثيلي الجامع لشعبنا، تحتاج اليوم إلى العمل على تفعيل وتطوير مؤسساتها بما يعيد لها دورها الطبيعي كمظلة وطنية جامعة، وذلك عبر تحديث آليات عملها، وتوسيع قاعدة الشراكة السياسية داخل أطرها، وتطوير أدوات النضال الشعبي والدبلوماسي التي تمتلكها، فالائتلاف داخل المنظمة لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل ضرورة لحماية الوجود الوطني ومنع محاولات تهميش المؤسسة التي شكّلت عبر عقود طويلة العمود الفقري للنضال الفلسطيني، وفي المقابل، فإن المعارضة الوطنية ليست خصماً للشرعية ولا منافساً على السلطة، بل هي رافعة للتصحيح والمساءلة، ومساحة ضرورية لخلق توازن يحفظ المسار الوطني من الانحراف، ويمنح المجتمع القدرة على الاستمرار والصمود، ويتمثل دورها في تقديم البدائل الواقعية، ومراقبة الأداء، وتعزيز القوة الشعبية دون الانجرار إلى خطاب التخوين والتكفير أو تكريس الانقسام.
إن أخطر ما نواجهه اليوم لا يقتصر على ممارسات الاحتلال، بل يمتد إلى محاولات إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني وإضعاف الارتباط بالأرض والتاريخ، عبر روايات مشوّهة وحلول اقتصادية تسعى لاستبدال الحقوق الأصيلة بامتيازات مؤقتة، إضافة إلى تثبيت الانقسام وتحويله إلى واقع دائم، وهنا يصبح توحيد أدوات القوى الوطنية الفكرية والإعلامية والكفاحية ضرورة لحماية الهوية الوطنية وتعزيز التمسك بحقوقنا الثابتة في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، ولإعادة الاعتبار للخطاب الوطني الوحدوي الذي يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة أي مشاريع تسعى إلى تصفية القضية أو احتواء شعبنا.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإسراع في إنجاز مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين بوصفه خطوة تأسيسية لإعادة تنظيم الحياة السياسية، وضمان الفصل بين السلطات، وتعزيز الشرعية القانونية، وتحديد الأسس التي تدار على أساسها المرحلة المقبلة، فوجود إطار دستوري مؤقت متوافق عليه يشكل ضمانة لانتقال سياسي أكثر استقراراً، ويمنح المشروع الوطني مرجعية واضحة تمنع الارتجال وتحدّ من الفراغ الدستوري الذي طال أمده.
إن المرحلة الحالية تتطلب عقداً وطنياً جديداً يقوم على الحوار الوطني الشامل، وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات، وتوحيد القيادة، والالتزام ببرنامج وطني مشترك يعيد الثقة للشعب، ويجعل من القوى السياسية شريكاً في صياغة المستقبل، لا طرفاً في صراع داخلي، فالمخاطر التي نواجهها وجودية ولا تميّز بين فصيل وآخر، والخيار الوحيد أمامنا هو الاصطفاف الوطني الذي يعيد للمشروع الفلسطيني روحه، ويحفظ هويتنا، ويصون حقوقنا من محاولات الشطب والتهميش، وإنها دعوة صادقة نحو وحدة وطنية حقيقية تعيد لشعبنا الفلسطيني القدرة على مواجهة التحديات والتمسك بأهدافه مهما اشتدت العواصف.