الرئيسية زوايا أقلام واراء سرقة المياه الفلسطينية في الفكر الصهيوني .. بقلم: عائدة عم علي

سرقة المياه الفلسطينية في الفكر الصهيوني .. بقلم: عائدة عم علي

بينما تحتل قضية المياه أهمية مطلقة وموقعا هاما في الفكر الاستراتيجي لدى الحركة الصهيونية منذ تأسيسها الكيان يوم 14 أيار 1948، مستندة إلى ادعاءات دينية وتاريخية تفيد بأن “الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في سوريا والعراق”. لم يعد هذا الشعار يعبر عن رغبة في احتلال أراضٍ أو تغيير حدود سياسية وجغرافية وحسب بل هو في جوهره شعار السيطرة على الماء، منبع الحياة نفسها.
الادعاءات الإسرائيلية أخذت من خلالها أهمية المياه تتبلور في الفكر الصهيوني الاحتلالي بعد انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في مدينة بازل السويسرية عام 1897، إذ صرح مؤسس الحركة ثيودور هرتزل، قائلا: “إننا وضعنا في هذا المؤتمر أسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي تمتد إلى نهر الليطاني”. مع التذكير أيضا بتصريح بن غوريون عام 1955 قائلا “إن إسرائيل تخوض معركة المياه مع العرب، وعلى نتائج هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وإذا لم ننجح، فإننا لن نكون في فلسطين”.
لهذا لم تدخر إسرائيل جهدا في اتخاذ كل الخطوات التي تضمن لها السيطرة الكاملة على مياه الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوقهم المائية ليجدوا أنفسهم في معركة يومية مع العطش بعدما جعلت إسرائيل من الماء سلاحا خفيا لاسيما ان الصراع في منطقتنا لم يعد محصوراً في الأرض أو الهوية أو حتى الثروات النفطية فقط، بل امتدّ اليوم إلى المورد الأخطر والأثمن وهو المياه اذ لم تكن الأنهار والمسطحات المائية الكبرى في المشرق العربي مجرّد خطوط جغرافية، بل أصبحت خطوط صراع واحتلال، تُستخدم فيها السياسة والقوّة لإعادة رسم خرائط النفوذ.
يكمن الحديث عن تعريف سرقة المياه الإقليمية بأنها مخالفة مبادئ قانون المياه الدولي الّذي يضمن الاستخدام العادل لموارد المياه المشتركة حدودياً بين جميع الأطراف، أو مخالفة الاتفاقيات الخاصّة التي أُنشئت بين الدول، من أجل التعاون المشترك في إدارة الموارد المائيّة المشتركة ، الا أن الاحتلال لم يتوانى من اصدار أوامره العسكرية التي حققت له السيطرة على معظم الموارد المائية الفلسطينية، فضلا عن تعمده تدمير البنية التحتية للمياه في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما حد من حصول الفلسطينيين على مياه نظيفة صالحة للشرب.
وفيما يضم الاحتلال أجزاء من الضفة الغربية يقوم بضخّ كميات مياه إضافية لاستيعاب التوسع الإسرائيلي على الأرض، مقابل شحّ الموارد المائية لدى الجانب الفلسطيني وتقويض الوصول إليها ما يؤدي إلى خلق أزمة مياه حقيقية اذ يشترك الجانب الفلسطيني مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في 4 أحواض جوفية مائية، 3 منها في الضفة الغربية، وواحد في قطاع غزة. وتخضع جميع الأحواض السابقة لاتفاقية أوسلو-1 (1993) وأوسلو-2 (1995)، إضافةً إلى نهر الأردن.
وعلى الرغم من مبادئ قانون المياه الدولي التي تضمن التخصيص العادل للموارد المائية الحدودية ضمن معايير اقتصادية واجتماعية وسياسية، وعلى الرغم أيضاً من قرارات الأمم المتحدة، فإنَّ الجانب الإسرائيلي يواصل سياسته الإقصائية الأحادية الجانب، من دون مراعاة لأي حقوق فلسطينية، معتبراً أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على الحالة الفلسطينية، لأنه، في نظر الجانب الإسرائيلي، لا يمكن التعامل مع الفلسطينيين كدولة مع العلم أن من ضمن الأبحاث الخاصة بالسّرقات الإقليمية استبيان موجّه إلى خبراء المياه، لتقييم الوضع الحالي ومصير المفاوضات حول قضية المياه، وكان التفاوت واضحاً حول سؤال يدور عن إمكانية تطبيق قانون المياه الدولي على الحالة الفلسطينية الإسرائيلية، فكانت الإجابة بالمناصفة بين الإيجاب والقبول.
إسرائيل تسرق أكثر من ثلثي المياه الجوفية الفلسطينية وتحولها إلى داخل مدنها ومستوطناتها حيث تطال 600 مليون متر مكعب من المياه الجوفية الفلسطينية البالغة نحو 800 مليون متر مكعب، فيما ثلث مياه الضفة الغربية يتم استخدامها داخل اسرائيل. أي أن الإسرائيلي يستهلك 430 لتر مياه يوميا، بينما الفلسطيني 72 لترا فقط، وهو أقل من المعدل العالمي البالغ 120 لترا يوميا
وهذا ما يؤكد الحرب على الانسان والأرض والمياه” في الأراضي الفلسطينية.
وبعد نكسة حزيران 1967، سارعت إسرائيل إلى السيطرة على معظم الموارد المائية الفلسطينية، فدمرت مضخات المياه وألحقت أضرارا جسيمة بالأراضي الزراعية الممتدة على طول نهر
الأردن ما أدى لسيطرتها على معظم المياه الجوفية. وهذه السرقة أثرت على تحول نمط الزراعة في فلسطين، بحيث انخفضت مساحة الأرض المروية من 6 بالمائة إلى حوالي 2 بالمائة من الأراضي
المزروعة ومن ثم تعمدت سلطات الاحتلال زرع المستوطنات فوق الأحواض المائية في فلسطين، مدمرة بذلك مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية عبر استهلاك مياه هذه الأحواض بمعدلات خيالية.
ورغم التعقيدات السياسية، لا بدّ من فتح قنوات حوار تقنية وسياسية ، تضمن استمرارية تدفق المياه بشكل عادل وتقليل التوترات وبناء وعي شعبي حول أهمية المحافظة على المياه كحق وطني، والتأكيد على أن الأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي لاسيما أن المياه هي شريان الحياة، ولا يمكن الاعتداء عليها دون الإضرار بمستقبل الشعوب فلابد من من تحويل إدارة الموارد المائية إلى قضية أمن قومي تتصدّر أولويات الدول العربية، لأنّ من يملك الماء يملك قرار الحياة والموت والا فان العطش القادم سيكتب فصوله على جفاف ضميرنا وسيادة بلادنا.

Exit mobile version