بقلم: يونتان بولاك /25 حزيران. المكان: كفر مالك، التي تقع على المنحدرات الشديدة لتل العاصور، التي قمّتها هي الرابعة من حيث ارتفاعها بين جبال فلسطين. في 23 حزيران أُطلقت النار على ظهر أحد أبناء القرية، وهو عمار حمايل. وحسب بعض الشهادات فقد كان الجنود هم الذين أطلقوا النار من مكان مخفي بين أشجار الصنوبر الموجودة على مدخل القرية من الجنوب. اخترقت الرصاصة ظهره وخرجت من جسده عبر الرقبة، ولم يكن وجهه نحو الجنود عند موته. خلال الساعتين التاليتين منع الجيش بصورة عنيفة سيارة الإسعاف، وكذلك أبناء عائلته، من معالجة جروحه. وقد وقفت سيارة تندر بيضاء، مثل التي يستخدمها ضباط الأمن في المستوطنات، قرب الجثة. كان عمره 13 سنة عند موته.
بعد يومين فقط على قتله اقتحم أكثر من مئة إسرائيلي القرية. نزلوا في منحدر الجبل، بعضهم كان ملثماً، وآخرون غير ملثمين. قاموا بتخريب بيوت، وأشعلوا النار في كل ما خطر ببالهم، وخلّفوا كتابات بذيئة على الجدران، لكنهم لم يكونوا وحدهم؛ فقد كانت خلف هذه المليشيا القوات الرسمية للدولة، التي سارت بمحاذاتهم إلى القرية، وهم الذين قتلوا ثلاثة من سكانها – أحدهم قاصر وآخر قتلوه على مدخل بيته – في الوقت الذي حاولوا فيه الدفاع عن أنفسهم وعن قريتهم. بعد ذلك بقليل دوى صوت جعفر حمايل على خط الهاتف المتقطع: “هم يقتلوننا، وبدؤوا حرباً يوجد فيها فقط طرف واحد. فقط يوجد معهم بنادق ومع كلابهم الجنود”.
10 تشرين الأول. في اليوم الأول من موسم قطف الزيتون تجمع حوالى 150 من قاطفي الزيتون في جبل كماتس الموجود في بيتا. أُقيمت هناك منذ فترة عدة خيام ومبان مؤقتة، يسميها، سواء من يعيشون فيها أو الجيش، بالاسم المناسب “بشائر السلام”. وجد قاطفو الزيتون الحقول مليئة بالجنود وأعضاء المليشيا كتفاً إلى كتف. في نهاية اليوم سقط 20 مصاباً من بين قاطفي الزيتون، بينهم 12 تم نقلهم إلى المستشفى، 3 صحافيين، وشاب أطلقت الرصاص الحي على قدمه على يد المليشيا، و8 سيارات أحرقت على يد المشاغبين، وسيارة إسعاف انقلبت وتم إحراقها تقريباً. في اليوم ذاته، في قطعة ارض أبعد قليلاً، في الوقت الذي كانت فيه عائلة تنشغل في قطف الزيتون في الأرض، بدأ الجنود الذين كانوا يقفون وحدهم على تلة مقابلة في إطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم. اختنق طفل، ابن 13، أيسم معلّا، بالغاز وفقد الوعي. قتلته أعاقوا سيارة الإسعاف التي جاءت طوال ست دقائق من نقص الأوكسجين. لم يفق أيسم من غفوته، ومات بعد شهر من ذلك في المستشفى. صمّم الجيش على استقبال جنازته بإغلاق مدخل القرية، وإرسال سيارة عسكرية لإلقاء قنابل الصوت في العزاء.
7 كانون الأول، يوم الأحد، طوّق الجيش قرية المغيّر، واقتحم شوارعها وأزقتها الضيقة. ما هو هدف الاقتحام؟ هذا غير واضح. حيث اقتصرت نشاطات الجيش على إغلاق كل مداخل القرية، وفرض حظر التجول غير الرسمي، واقتحمت سيارات عسكرية في جنح الظلام، التي منها قام الجنود بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت بين البيوت. لم تكن هناك أي محاولة لاختطاف أحد شباب القرية، الذين ظلوا في تلك الليلة أحراراً. ما حدث حقاً في تلك الليلة وفي تلك الساعات كان اقتحام مجموعة من الإسرائيليين بيت عائلة أبو همام، الذي يقع في قلب القرية. وصل 8 أشخاص من المجموعة من جهة مزرعة شليشا، وكانوا ملثمين ومسلحين بالعصي. كل من لا ينخدع بالأوهام يعرف مسبقاً نتائج الهجوم. وكذلك التنسيق بين القوات الرسمية وغير الرسمية التي تنفذ سياسة العنف الإسرائيلية. وحتى قبل ترك الجيش للقرية انسحب المهاجمون، وخلّفوا وراءهم فتى ابن 13 سنة مصاباً برأسه، وامرأة عمرها 59 سنة مصابة بالكدمات في رأسها وجسدها ويديها، ولا تزال تكافح من اجل الوقوف بعد يومين في المستشفى، وأربعة نشطاء تضامن من بريطانيا وفرنسا وأميركا – جميعهم احتاجوا إلى تلقي العلاج في المستشفى.
في وقت الهجوم، وبعده مباشرة، حاول أهل القرية والطواقم الطبية الوصول إلى أبناء العائلات المتضررة ولكن الجيش منعهم. فقد صوب الجنود سلاحهم نحو سائق سيارة الإسعاف والمسعفين الذين كانوا يحاولون إسعاف المصابين، وهددوهم بالاعتقال إذا تقدموا. وبعد بضع ساعات تمكنوا من إخلاء المصابين. وبعد ساعات أخرى تحقق التهديد بالاعتقال. عندما كانت سيارة الإسعاف عائدة من المستشفى أوقف الجنود اثنين من رجال الإسعاف عند نقطة التفتيش، وقاموا بتكبيلهما وعصب عيونهما، ولم يطلقوا سراحهما إلا بعد ساعات. وذلك لمجرد وجودهما هناك. لم يكن الجنود الذين فعلوا ذلك من الجنود – المستوطنين أو من كتائب الحماية الإقليمية، بل هم ببساطة من جنود الاحتياط، الأشخاص الذين يجلسون في المقاهي والأماكن المفتوحة ومكاتب الإدارة.
تواصلت الهجمات على أبناء العائلة حتى في الأيام التالية. كالعادة وجد الجيش الحل في إزعاج ضحايا الهجوم. في البداية صدر أمر منطقة عسكرية مغلقة لمدة 24 ساعة، حيث استخدم لاعتقال اثنين من النشطاء وترحيل آخرين. ثم وصل الجنود وشرطة الحدود وفرضوا أمر إغلاق لمدة شهر. اعتقلوا ناشطتين أميركيتين تواجهان، الآن، الترحيل. رغم انهما لم تكونا داخل المنطقة المغلقة. وواصل الجنود التردد على بيت العائلة في محاولة لتعقب أي شخص لا ينتمي لها، شريطة ألا يكون قادماً من جهة مزرعة شليشا.
13 كانون الأول. هاجم ثلاثة فتيان يرتدون قبعات يهودية كبيرة منسوجة وشعراً مستعاراً طويلاً سيارة حنان أبو شحادة وولديها 5 و4 سنوات. حنان نفسها كانت حاملاً في الشهر التاسع. وهدد المهاجمون أبناء العائلة وضربوهم ورشوهم بغاز الفلفل، ووجهوا لهم شتائم عنصرية. اعتقلتهم الشرطة، وقامت بالتحقيق معهم في أعقاب الحادث، الذي أصرت على وصفه بأنه خلاف على الطريق: كانوا 17 شخصاً من قرية حنان، الذين احتجوا على الهجوم. لم يتم الاشتباه بأي واحد منهم بارتكاب أعمال عنف، بل بقول الحقيقة: هذا الهجوم الذي لم يقع في الضفة الغربية، بل في يافا، كان موجهاً لكل المجتمع الفلسطيني في يافا، ولم يحدث ذلك في فراغ، بل في مناخ أوجدته النواة التوراتية في يافا، الممولة من بلدية تل أبيب، والتي كانت مصدر التوتر وعدم الاستقرار في المدينة لسنوات، وفرضت الخوف والرعب على سكان يافا العرب. ويترأس هذه المجموعة الأساسية الحاخام إلياهو مالي، الذي قررت النيابة العامة عدم محاكمته بتهمة التحريض، بعد أن صرح: “إرهابيو اليوم هم أبناء العملية السابقة التي تركتهم على قيد الحياة. النساء في الواقع هن اللواتي يلدن المخربين”.
لا يوجد هناك شيء اسمه عنف المستوطنين. فالعنف ضد الفلسطينيين بكل أشكاله – سواء أكان رسمياً أو ما يصوره الليبراليون بأنه فوضى – ليس استثناء، بل هو جوهر الهوية الإسرائيلية. وينطبق الأمر ذاته على الضفة الغربية وقطاع غزة ويافا والجليل وأي مكان آخر. الضفة الغربية ليست أرض المستوطنين، والمهاجمون ليسوا جماعة صغيرة من المتطرفين. هذه الهجمات هي تطبيق لسياسة تطهير عرقي طويل الأمد، لا تبدأ ولا تنتهي بـ”المستوطنين المتطرفين” أو بـ”حكومة اليمين المتطرفة”. الضفة الغربية ليست أرضاً خارج الحدود، البلاد كلها من البحر إلى النهر هي أرض الإسرائيليين.
عن “هآرتس”
