سباق بين الدبلوماسية وطبول الحرب. هذا ما يعيشه لبنان بعد توافر تقاطع في المعلومات فرنسية وامريكية حول قرار إسرائيلي اتخذ بالتصعيد في لبنان الذي يعيش اليوم أخطر وأدق مرحلة مفصلية على رغم ما عاناه ولا يزال، من أزمات ومشاكل لا تعد ولا تحصى منذ سنوات، وبالأخص منذ حرب الشهرين العام الماضي وحتى اليوم، لا سيما واننا نقترب من موعد الخامس من كانون الثاني الذي يشكل تاريخا غاية في الأهمية كونه يشكل موعدا لانتهاء المرحلة الأولى التي أعطيت للجيش اللبناني لإنجاز سحب السلاح في جنوب الليطاني وتقديم تقريره في هذا الشأن الى لجنة الميكانيزم، والانتقال الى مرحلة شمال الليطاني التي يرفضها حزب الله بشكل مطلق، وتهدد إسرائيل بالتدخل المباشر لفرضها بالقوة في حال عجز أو تلكؤ لبنان الرسمي عن تنفيذها.
وهناك سلسلة محطات أساسية يمر بها لبنان وصولا الى موعد الخامس من الشهر الأول من العام المقبل، منها الاجتماع في باريس يومي ١٧ و١٨ من ديسمبر هذا العام الذي جمع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل مع الموفد الفرنسي لودريان والامريكية مورغان اورتاغوس والسعودي يزيد بن فرحان، والمخصص للبحث في التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش الذي تم التوافق خلال اللقاء على عقده في فبراير ٢٠٢٦ . كذلك فإن زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يوم الخميس في ١٨-١٢-٢٠٢٥ بعد زيارات قام بها سابقا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ومدير المخابرات حسن رشاد ،أتت استكمالا للمساعي المصرية لتفادي التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان . كذلك أيضا يترقب اللبنانيون نتائج الاجتماع المرتقب بين ترامب ونتنياهو في ٢٩-١٢-٢٠٢٥ والذي يمكن أن يرسم معالم المرحلة المقبلة في لبنان.
لكن مع كل هذا الحراك العربي والدولي لتجنب الحرب، فإن إسرائيل تصر على التأكيد بأن مسار التفاوض السياسي منفصل عن المسار العسكري الذي يهدف إلى منع حزب الله من إعادة بناء قدراته على حد زعمها، وزيادة الضغوط على لبنان والتهديد بحرب مقبلة مطلع العام في حال لم تنفذ الدولة اللبنانية كل ما هو مطلوب منها. لذلك فإن تزايد القلق في لبنان مع اقتراب نهاية المهلة الأمريكية لنزع سلاح حزب الله رغم كل الحراك الدبلوماسي ليس مجرد شعور عام، بل هو مبني على معطيات سياسية وأمنية واضحة، إذ قد تعتبر إسرائيل اتهامها للجيش اللبناني بالتباطؤ في التنفيذ مبررا لعملية عسكرية جديدة، لا سيما وانها تواصل تنفيذ ضربات يومية محدودة ضد مواقع وأفراد مرتبطين بحزب الله، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني. وكان وزير الخارجية اللبناني قد أكد أن لبنان تلقى تحذيرات جدية من احتمال عملية عسكرية إسرائيلية واسعة، مما يزيد من الشعور بأن البلاد قد تكون أمام مفترق خطير. وما يعزز قلق الشارع اللبناني مواقف حزب الله وتصريحات أمينه العام الحادة الرافضة للتخلي عن السلاح مع عبارات صارمة مثل” لن تؤخذ الأسلحة حتى لو اتحد العالم كله في حرب على لبنان ” ، ما يدلل على فهم مختلف للعلاقة الحساسة بين الخطاب السياسي وحسابات الحرب. أما بالنسبة لإسرائيل، فإنها عادة لا تحتاج إلى تصريحات لتبرير حرب، لأن قراراتها تبنى على حسابات أمنية داخلية، لكنها قد تستخدمها سياسيا لتبرير مواقفها أمام جمهورها أو حلفاءها حتى وان لم تكن تلك التصريحات تمثل سببا حقيقيا للتصعيد. لكن ، ومع التهديدات الإسرائيلية بالقيام بعملية عسكرية واسعة، إلا أنها تنتظر ما ستقرره واشنطن خصوصا مع اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو في ٢٩-١٢-٢٠٢٥ ، إذ أن واشنطن بحسب تقارير تحاول تهدئة الاندفاعة الإسرائيلية وإعطاء مزيد من الوقت للمسار الدبلوماسي ضمن إطار تفاهمات أوسع تشمل أيضا غزة وسوريا. وقد كان نتنياهو قد التقى المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ولبنان في سياق تحذيرات من تجدد القتال على الحدود اللبنانية . ومن المتوقع تزايد الضغوط الأمريكية على الحكومة اللبنانية ودفع الجيش اللبناني إلى دور أكبر وأكثر حسما مع محاولة فرض ترتيبات أمنية جديدة دون حرب، لا سيما وانه كان قد تم تطعيم لجنة الميكانيزم الموكلة مراقبة وقف إطلاق النار بشخصية مدنية دبلوماسية بناء لطلب امريكي ، مما يفتح بابا للتفاوض يشجع عليه الرئيس اللبناني الذي يدرك خطورة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة، ويسعى الى حلول دبلوماسية تحفظ استقرار لبنان، وهو قد أكد في أكثر من مناسبة بأن البلاد تمر بمرحلة إعادة بناء وتعاف اقتصادي، وبالتالي لا يمكنها تحمل حرب جديدة وأن الأولوية هي حماية المواطنين وبقاء الناس في ارضهم، ولذلك فإن اللجوء إلى التفاوض لا يعني الاستسلام، بل هو وسيلة لحماية لبنان وتعزيز الاستقرار خصوصا في الجنوب، داعيا المجتمع الدولي لدعم الاستقرار وداعما لنزع سلاح المجموعات غير الحكومية عبر الوسائل السياسية، مع دعوة القوى السياسية والدينية والأمنية لتغليب المصلحة الوطنية. وهو بذلك يحدد خيارات لبنان الاستراتيجية في لحظة ضعف بنيوي للدولة تتلخص باختيار التفاوض خيارا وحيدا متاحا أمام لبنان، والتأكيد على أولوية الاستقرار على المواجهة ، وربط الميدان بالدبلوماسية بالاعتماد على مسار منظم لمأسسة التفاوض عبر آليات مثل لجنة الميكانيزم. وهو بذلك ينطلق من حسابات واقعية لادراكه أن ميزان القوة يميل وبشكل واضح جدا مع إسرائيل، وأن اي حرب ستكون كلفتها أعلى بكثير من أي مكسب يمكن تحصيله، وادراكه أيضا بأن التفاوض كأداة يمكن أن تقلص من كلفة دور حزب الله، لأن التفاوض يخفف الضغط عن الدولة المتهمة بانها رهينة قرار عسكري غير خاضع لها بالكامل، من خلال مخاطبة المجتمع الدولي الباحث عن “شريك” لبناني يمكن الاعتماد عليه في تهدئة الجبهة، وبذلك يتم رسم خطوط سياسية جديدة أيضا في الداخل اللبناني عنوانها ” مع مشروع الدولة أو ضده” وليس “مع المحور أو ضده”، ما يمثل تغيرا استراتيجيا في منحى السياسة الداخلية اللبنانية.
الوضع في لبنان – سباق في رمال متحركة يحتار الشارع اللبناني في تقدير حدودها، وهو شارع اعتاد توقع الأسوأ، ولا يملك سوى نعمة ونقمة الإنتظار.
