الرئيسية زوايا أقلام واراء الروسي منفتح على “جائزة ترضية” أمريكية لأوكرانيا.. هل ستنضم كييف إلى بروكسل؟...

الروسي منفتح على “جائزة ترضية” أمريكية لأوكرانيا.. هل ستنضم كييف إلى بروكسل؟ بقلم : خليل حمد

 

تسعون بالمئة من التوافق تم على “خطة السلام الأوكرانية” التي صاغتها الولايات المتحدة. وفق ما قاله مسؤولون أمريكيون بشأن المحادثات التي اختتمت في برلين بين الوفدين الأمريكي والأوكراني وحققت تقدماً ملموساً يمهِّد لحل نهائي لهذه الأزمة التي تشغل العالم اليوم.

التقدم وفقاً للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي يتمثل في أن بلاده أصبحت قريبة جداً من الحصول على ضمانات أمنية قوية لمنع أي هجوم روسي على أوكرانيا بعد توقيع الاتفاق. لكن هذه الضمانات تحتاج إلى أصوات أعضاء الكونغرس الأمريكي أولاً. التقدم يسري أيضاً على الملفات الأخرى التي كانت مثار جدل لوقت طويل، ومنها موضوع الأراضي التي ستضمها موسكو إليها في شرقي البلاد، والاعتراف الدولي بهذا الضم، وتقليص الجيش الأوكراني إلى حد يفقده القدرة على التأثير، واستبعاد فكرة انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو إلى الأبد. إذا ما صحت الأنباء، فهذا يعني أن الجانب الأوكراني قدم تنازلات هامة بضغط أمريكي يتم الحديث عنه، وربما بفعل الواقع الميداني الذي يستنزف الطرفين بكل تأكيد، ولكن بنسب مفاوتة.

اللافت أن الضغط الأمريكي وحده كان كافياً لكي يقبل زيلنسكي النقاش في الكثير من الملفات التي لم تكن مطروحةً للنقاش سابقاً. الدعم الأوروبي لم يعد مجدياً بالنسبة لكييف. هذا ما يُمكن أن يُقرأ بين السطور. أوروبا المنقسمة في الملف الأوكراني لم تعد قادرة على تقديم دعم يغير موازين القوى فعلاً في المعركة التي تجري، وأما احتمالات استمرار الحرب دون حسم فهي مكلفة أيضاً للقارة العجوز، رغم أن بعض المسؤولين الأوروبيين يقدمون هذا الطرح في أروقة النقاشات، ويدعون إلى تقديم دعم طويل الأمد لصراع قد يستمر لعقدين من الزمن!

المشاركة الأوروبية في الاتفاق إذا ما تم التوصل إليه ستتلخص في نقاط محددة: الأولى المشاركة في قوات ردع تضمن عدم تعرض أوكرانيا لهجوم روسي مستقبلاً. والثانية دعم مالي لإعادة إعمار البلاد التي أنهكتها الحرب وهو ملف شائك نظراً للأزمات الاقتصادية التي تعاني منها عموم الدول الأوروبية ولرفض روسيا المقترح الأوروبي باستخدام الأصول الروسية المجمدة لتمويل إعادة الإعمار واعتبار الأمر “سرقة” علنية، والأخيرة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

يقدم بعض المسؤولين الأوروبيين الأكثر تشدداً في الملف الأوكراني طرحاً يقول إن على بروكسل تشكيل قوة عسكرية دولية “مستعدة للمشاركة في ردع أي غزو روسي مستقبلي”، كجزء من ضمانة أمنية لا تزال تحتاج الموافقة الروسية التي تبدو بعيدة إلى حد كبير في ظل تهديدات موسكو المستمرة لأي طرف قد يرسل قوات عسكرية برية إلى أوكرانيا، في وقت الحرب طبعاً، لكن ماذا عن وقت السلم؟ ترفض موسكو تمدد حلف الناتو إلى حدودها، وهذا كان السبب الرئيسي للحرب، ومعظم الدول الأوروبية التي يُحتمل انضمامها إلى “التحالف” المرتقب هي دول أعضاء في حلف الناتو. الأمر إشكالي كثيراً بالنسبة للكرملين، وقد تحمل الأيام القادمة عثرات كبيرة في موضوع الموافقة على هذه النقطة.

بالمقابل أعلن مسؤولون أمريكيون أن روسيا أعربت عن انفتاحها على فكرة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي (وليس حلف شمال الأطلسي “ناتو”) في إطار اتفاق السلام الذي يجري الحديث عنه. جائزة الترضية الأمريكية، وربما الأوروبية، لأوكرانيا قد تعني أن الاتفاق بات قريباً، عدا بعض التفاصيل التي تمثل 10 بالمئة فقط من الصيغة النهائية.

لكن الأحاديث الوردية عن تفاهمات بنسب عالية لا تعني أن النقاط وُضعت على الحروف تماماً، لا تزال موسكو تنتظر رداً من واشنطن بشأن الاتصالات الأخيرة بينها وبين أوكرانيا، وفقاً لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. الانتظار قد يحمل الكثير من النتائج، وليس مضموناً إذا كانت روسيا ستوافق على شكل الضمانات الأمنية الأمريكية لكييف بعد، إضافة إلى أن ملف ترسيم الحدود من جديد هو شرط روسي محسوم، فيما لا يزال زيلنسكي يناور بشأن “التفاوض” عليه.

مرة أخرى أوروبا في صلب الحديث الروسي، لافروف انتقد الدور الأوروبي في هذا الملف، معتبراً أن أوروبا كانت عبر التاريخ مصدراً للأزمات والكوارث، وسلوكها الحالي يعكس هذا الإرث. “أوروبا أطلقت شرارة الحروب العالمية”. إشارة تحمل نبرة التحذير الروسي في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بسبب العراقيل التي تعزوها موسكو اليوم إلى الدور الأوروبي فقط، فالمفاوضون الأمريكيون، وفقاً لمصدر رفض الكشف عن اسمه، أبلغوا أوكرانيا خلال محادثات السلام في برلين بأنها لا بد أن توافق على سحب قواتها من منطقة دونيتسك في إطار أي اتفاق. يبرر هذا الأمر الحديث الروسي عن أن دونالد ترامب هو المسؤول الغربي الوحيد الذي بدأ بإظهار فهم لأسباب النزاع في أوكرانيا، وأنه يتفهم الموقف الروسي الراغب بـ “سلام دائم” وليس وقف مؤقت لإطلاق النار يتبعه استمرار في توريد الأسلحة.

في إطار الضغوط أيضاً، يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه في حال فشل المفاوضات، سينأى بنفسه عن هذا الملف. قالها صريحة منذ أيام: “أحياناً عليك أن تترك الناس يتقاتلون فيما بينهم”. هذا جزء من الضغط على الطرفين بالتأكيد، لكنه ضغط على أوكرانيا بشكل أساسي، لكونها حليف الولايات المتحدة والغرب في هذه المعركة، بل ذراعهم الواضحة التي حاولوا من خلالها استهداف روسيا بشكل مباشر.

 

في الخلاصة، تبقى كرة الصراع اليوم في ملعب أوروبا، فإما أن توافق على أن تكون جزءاً من الحلول المُنتظرة، وإما أن تحكم على أوكرانيا نفسها وعلى عموم القارة العجوز بمزيد من الاستنزاف. ستحمل الأيام القادمة بالتأكيد مزيداً من المعلومات، وربما المفاجآت، لكن الأكيد أن الرغبة بإنهاء الحرب فعلاً ستتطلب من الجميع تقديم تنازلات كبيرة تضمن استقراراً طويل الأمد ولو نسبياً لتلك المنطقة من العالم.

Exit mobile version