الرئيسية زوايا أقلام واراء مؤسسة علمانية بلباس ديني، ومنتجاتها الكاتب: عامر بدران

مؤسسة علمانية بلباس ديني، ومنتجاتها الكاتب: عامر بدران

مع كل نهاية عام وبداية عام جديد، ومع كل مناسبة وطنية أو دينية، يعود الجدال حول صوابية الاحتفال هذا أو حرمة التهنئة تلك. ثم يتطور الأمر وينخرط في نقاشه الجاهل والعارف على حد سواء، في حالة قلّ شبيهها من الانحيازات الدينية والقيمية وحتى الوطنية، بمعنى أن الأمر قد يصل إلى سؤال: لمن هذه البلاد؟
هذا السؤال الافتراضي المسكوت عنه، أو المعلن بشكل سافر، يقابله عادة جواب ممهور ومؤكد عليه بمصطلحات من قبيل «ملح الأرض» و»ليسوا طارئين على المشهد»، وما إلى ذلك من أدوات تبريرية، يمكنها، من جانب ما، أن تُشكل قاعدة جيدة لفكرة التعايش، كما يمكنها، من جانب آخر، أن تؤكد على الاحتقان والرفض لكل ما هو غير «نحن» كأغلبية تمتلك الحق والحقيقة، وبالتالي فهي من تمتلك البلاد.
الكلام هذا لا يتعلق بفلسطين كوطن أو كبقعة جغرافية، ولا بالمسيحيين فيها أو في غيرها، بقدر ما ينسحب على الوطن العربي عموماً وعلى كل الأقليات الدينية والقومية وحتى الفكرية فيه. فمن هذا المنطلق العام يمكننا فهم الخصوصيات أو الأحداث المتفرقة هنا وهناك، من قبيل حرق شجرة الميلاد في مدينة ما، أو اقتحام مقهى يرتاده المفطرون في رمضان في مدينة أخرى، أو التهجم على سائحة بسبب لباسها، أو فتاة تضع رِجلاً على رجل داخل المترو.
فبقدر ما أرى، وقد أكون مخطئاً تماماً بهذه الرؤية، فإن مشكلة العالم العربي تكمن في عناصر الهوية التي صاغها لنفسه، أو التي صاغتها الأغلبية الدينية فيه آخذة مصلحتها الخاصة واعتباراتها هي فوق كل مصلحة واعتبار. ولا أقصد بالصياغة هنا التدوين أو النص المكتوب لهذه الهوية، بل الشعور والفكرة التي يتم تبنيها من الأغلبية.
نحن دول إسلامية. هكذا بكل بساطة واستسهال تم إلباس مؤسسة علمانية هي الدولة لباساً دينياً هو الإسلام، دون أن يشعر المتبني لهذه الفكرة بأي تناقض أو تعارض بين المصطلحين. وحين تنطلق من هذه الحالة الذهنية الغريبة والمتناقضة، فإن كل ما تفعله لاحقاً يبدو في السياق ولا غبار عليه.
لا بد من القول: إن أحد أسباب هذا التعريف المتناقض هو العلاقة مع الاستعمار، ومحاولة التمايز عنه هوياتياً وثقافياً، وهذا مفهوم نتيجة لسنوات طويلة من معاناة شعوب المنطقة ووقوعها تحت حكم جهات غربية وقمعها من قبل هذه الجهات. لكن ما هو غير مفهوم هو أن تستمر هذه الحالة بعد سنوات طويلة على نيل دولنا استقلالها، وأن تتخذ شكل الانكفاء على الذات، وتعتاش على المظلومية الدائمة، وتعزز هذه المظلومية بمنطلقات ومحفزات أيديولوجية، ما يوصلها في النهاية إلى حالة من العداء التام مع كل ما هو غير إسلامي أو يشبه الغرب.
النتيجة أن المسلم، أو الإسلامي، إن شئنا الدقة، في البلاد العربية ليس عدواً لأصحاب الديانات الأخرى بسبب دياناتهم، وليس عدواً لهم وحسب، بل هو عدو للملحدين والعلمانيين والليبراليين، ولماركس ونيتشة وإيمانويل كانط وإيمانويل ماكرون، لأن كل هؤلاء يقفون على مسافة واحدة من هويته التي يعتقدها، ولأنهم نتاج لهوية أخرى يُعرّف نفسه بالنقيض منها، أي الهوية الأوروبية أو الثقافة والفلسفة الغربيتين.
لكن لأن هويته هذه تمّت صياغتها انطلاقاً من الهزيمة ومن مجموع الخيبات المرافقة، فهي هوية دفاعية بالأساس، وهي بالتالي متمترسة خلف مقولات لا يمكن التنازل عنها وإلا فقدت مبررها ومعناها، لذلك فإن المؤامرة الخارجية، سواء وُجدت أو لا، تلعب دوراً محورياً في المرافعة الفكرية لتبرير الذات وتبرير تصلّبها أو حتى انهياراتها.
ثمة مؤامرة خارجية دائمة على الدين وعلى الثوابت وعلى الوطن، لكن ولسوء الحظ، فإن هذه المؤامرة تسير جنباً إلى جنب مع الحاجة، وعلى العربي المسلم أن يجد الطريقة المناسبة والأقل ضرراً ليوفّق بين تصدّيه للمؤامرة الغربية، وحاجته اليومية لهذا الغرب. ضمن هذه المعادلة يمكن تفسير السلوك الاجتماعي والثقافي والأخلاقي وحتى العلمي للمواطن العربي في بلاده وفي بلاد الغرب، أي بصرف النظر عن مكان سكناه.
وإذا أضفنا إلى كل ذلك إحساس هذا الفرد باستحقاق مسنود إلى تاريخ غني وحضارة متفوقة، سواء كان هذا التاريخ حقيقياً أو مؤلفاً، فإن هذا الإحساس سيولّد الرغبة بالانتقام ممن سرقوا هذا التاريخ أو حتى ورثوه، لأن هذه السرقة لم تكن لتتم لولا انتصار أصحابها على صانع تلك الحضارة، وبالتالي فإن العدوانية ستكون سمة أساسية للسلوك على كافة الأصعدة.
إذاً نحن أمام سلوك عدواني يسير جنباً إلى جنب مع حاجتنا لمن نعاديهم، وبالنتيجة فإن القبول صاغرين بالمنتج العلمي للغرب المتفوق يقابله من باب التعويض النفسي هجوم عنيف على المنتج الذي لا نحتاجه أو نملك بديلاً له.
ولأن الطب والتكنولوجيا والفضاء والفيزياء، وعشرات أصناف العلوم وأشكال الاختراعات، ليست من ضمن ما نستطيع الاستغناء عنه، فإننا نأخذها كما هي، بل وعلاوة على استهلاكها نتاجر بها ونسوّقها. أما العادات والتقاليد ومنظومة الأخلاق والقيم البشرية، فما حاجتنا بها ما دمنا نمتلك بديلها الخاص بنا.
صحيح أن هذا البديل لم يعد صالحاً لعصر التكنولوجيا، لكنه صالح للحفاظ على الهوية المدّعاة، ناهيك عن صلاحيته للآخرة المنتظرة.
من هنا يصبح كل مظهر مخالف لما نحن عليه، سواء كان هذا المظهر دينياً على شكل شجرة كريسماس، أو أخلاقياً على شكل تهنئة، أو فكرياً على شكل كتاب فلسفة، أو اجتماعياً على شكل لباس أو تصرف، يصبح تهديداً تستوجب محاربته قبل أن يستفحل وقبل أن يصبح عادياً. فما بالك حين يكون هذا المظهر يشبه، ولو قليلاً، المظاهر التي تذكرنا بمن انتصروا علينا في الماضي.

عن صحيفة الايام

Exit mobile version