بقلم: كوبي ماروم /غادر رئيس الوزراء إلى ميامي، استعداداً للقاء ترامب، في زيارة ستؤثر في وضع إسرائيل في المنطقة، في حين باتت جميع ساحات القتال – غزة وسورية ولبنان وإيران – مفتوحة وغير مستقرة.
عشية القمة، تظهر فجوات واضحة في المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة، وخصوصاً في تفضيل إدارة ترامب محور تركيا – قطر، الذي تراه جزءاً من الحل على ساحتَي غزة وسورية، ومن وجهة نظر إسرائيل يشكل محور “الإخوان المسلمين”، بقيادة تركيا وقطر، مشكلة إستراتيجية خطِرة، ويبرز غياب رون ديرمر عن طاقم التحضير للزيارة، وهو الشخص الذي قاد العلاقة بالبيت الأبيض خلال العقد الماضي، ولدى تحليل التوقعات وتداعيات اللقاء، من الصائب فحص ذلك من زاوية تطلعات كل واحد من القائدين من هذا الاجتماع.
رؤية ترامب لغزة: المرحلة الثانية وقوات تركية
بالنسبة إلى ترامب، إن الساحة المركزية هي غزة؛ فهو بحاجة إلى إنجاز، بصفته صانع سلام عالمي، وحتى الآن لم تكن النجاحات دراماتيكية، على الرغم من أن تحرير المخطوفين الذي حققه يُعدّ إنجازاً كبيراً لإسرائيل. فوضع في غزة كل ثقله الشخصي، وهو مُلزَم أن يُظهر للجميع تقدّماً، ومن وجهة نظره لن يسمح لإسرائيل، ولا لـ”حماس”، بإفشال هذا التقدم.
لذلك، سيطالب ترامب نتنياهو بالتقدم في الاتفاق والانتقال إلى المرحلة الثانية.
وفق الاتفاق، تشمل الموافقة على الانتقال إلى المرحلة الثانية انسحاباً إسرائيلياً حتى الخط البرتقالي، ونشر قوات استقرار في قطاع غزة بالكامل، وربما أيضاً قوات تركية، والبدء بمشاريع إعادة الإعمار في منطقة رفح.
علاوةً على ذلك، يجري الحديث عن إقامة مجلس سلام برئاسته، والبدء بعملية تشكيل حكومة تكنوقراط لتحلّ محلّ حكومة “حماس”.
و”حماس” معنية بالانتقال إلى المرحلة الثانية؛ لأنها تحصل على انسحاب إسرائيلي، وفي الوقت نفسه، تعزز قوتها وتبقى مسيطرة بقوة على قطاع غزة في الأشهر المقبلة.
عيّن ترامب قائد القوات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الجنرال جاسبر قائداً لقوة الاستقرار، وخلال شهر كانون الثاني، ينوي إعلان البدء بتنفيذ المرحلة الثانية ونشر قوة الاستقرار على الأرض في احتفال رسمي كبير.
هذه القوة التي ستشمل قوات تركية أيضاً، بحسب تقديري، ستنتشر في الشوارع، وتفرض النظام والنظافة، وتتولى مسؤولية المساعدات الإنسانية، وتبدأ بإزالة الأنقاض، وبذلك، ستبدأ فعلياً بإظهار مظاهر حكم في أنحاء قطاع غزة، بدلاً من قوات “حماس”.
أمّا فيما يتعلق بتفكيك “حماس”، فستبدأ القوة بتحديد مخازن وبنى تحتية للتنظيم “الإرهابي”، وشكلياً على الأقل، ستبدأ بمصادرتها. لكن، بحسب تقديري، فإن القوة التركية، التي تعمل في الجزء الغربي، لن تفكك “حماس” فعلياً، بل ستفعل ذلك “بغمزة”، وبآلية الباب الدوار، أي تفكيك شكلي فقط، في حين أن المصلحة الأساسية لها ولقطر هي الحفاظ على مصالح “حماس” في القطاع في اليوم التالي.
تطلعات نتنياهو
يريد نتنياهو أن تكون القضية الإيرانية، وأيضاً القضيتان اللبنانية والسورية، جزءاً من اللقاء، وأن يعود من القمة إلى إسرائيل ليقول للجمهور الإسرائيلي إن هناك تقدماً نحو المرحلة الثانية في غزة، وفق الاتفاق، تمهيداً لتفكيك “حماس”، مع بقاء إسرائيل مسيطرة على مساحة كبيرة من القطاع.
يسعى نتنياهو لعرض تفاهمات استراتيجية مع إدارة ترامب في السياقين اللبناني والسوري، وأمام العدو المركزي – إيران.
يحاول الأميركيون إزالة العقبات من أمام المرحلة الثانية، وحسم تركيبة القوات التي ستنتشر في غزة، كجزء من قوة الاستقرار، لكن المشكلة هي أن جزءاً كبيراً من الدول غير مستعد لمواجهة “حماس”، باستثناء الأتراك الذين يرون هنا فرصة للتأثير والهيمنة الإقليمية كقوة شرق أوسطية صاعدة.
تخشى الإدارة الأميركية أن تحاول إسرائيل عرقلة تنفيذ المراحل التالية من الاتفاق، وكانت غاضبة جداً من تصفية رائد سعد، وفرضت قيوداً واضحة على إسرائيل في موضوع حوادث إطلاق النار بالقرب من الخط الأصفر، كذلك صفقة الغاز التي وُقّعت بين إسرائيل ومصر، فجاءت بضغط أميركي للتقريب بين الطرفين، استعداداً لتنفيذ المرحلة الثانية، إذ سيكون لمصر دور مهم في إعادة إعمار القطاع، بما في ذلك فتح معبر رفح.
الزاوية الإيرانية والساحات الإقليمية
توصلت إدارة ترامب وإسرائيل إلى استنتاج، بعد عملية “شعب كالأسد”، مفاده أنه من دون إسقاط النظام في إيران لن يكون في الإمكان تحقيق تغيير في الشرق الأوسط، ولا منع إعادة بناء المحور الإيراني. هناك تنسيق استخباراتي كامل وإدراك واضح أن الإيرانيين اتخذوا قراراً بشأن إعادة تأهيل المحور ووكلائهم، وعلى رأسهم “حزب الله”، وإعادة تأهيل البرنامج النووي، بما في ذلك تجنيد علماء نوويين، على الرغم من الضربة الكبيرة التي تلقّاها.
لا تزال رؤية سليماني لـ”حلقة النار” حول إسرائيل حية، وبدأ الإيرانيون بإعادة بناء منظومة الصواريخ الباليستية وشراء منظومة دفاع جوي جديدة من الصين.
يعمل محيط نتنياهو على خلق شعورٍ بتصعيد وشيك مع إيران، كرسالة واضحة لإدارة ترامب بضرورة التوصل إلى تفاهمات حاسمة في هذا الشأن، وأيضاً لتحويل الانتباه عن قضايا داخلية مطروحة على جدول الأعمال، مثل قانون الإعفاء من الخدمة.
في الواقع، لا توجد مؤشرات حقيقية إلى أن إيران، في وضعها الحالي، تخطط لهجوم على إسرائيل.
سيطلب نتنياهو التوصل إلى تنسيق حاسم مع ترامب، بحيث إذا لم تُفضِ المفاوضات بشأن اتفاق نووي جديد إلى اتفاق شامل في موضوع الصواريخ الباليستية حتى الربيع، فسيكون هناك تنسيق وثيق والتزام من ترامب بشأن هجوم مشترك واسع النطاق من إسرائيل والولايات المتحدة لإسقاط النظام.
من المهم الانتباه إلى عاملَين في الجدول الزمني الأميركي: كأس العالم في الولايات المتحدة في حزيران 2026، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني 2026.
الساحتان السورية واللبنانية
فيما يتعلق بالساحة السورية، وعلى خلفية أحداث المجزرة في السويداء، وعلى الرغم من زيارة الشرع الناجحة لواشنطن، تدرك إسرائيل أنه لا يمكن الاعتماد على الرئيس السوري في ظل الواقع الهش في سورية، ولم تنضج الظروف لتوقيع اتفاق أمني معه.
يواجه الشرع معارضة سنّية متطرفة، وهو بحاجة إلى السيطرة على أجزاء الدولة، والتوصل إلى تفاهمات مع الأقليات (الأكراد، العلويين، الدروز)، وإعادة بناء الجيش.
الأميركيون يدعمون المساعدة التركية للشرع، لكن من وجهة نظر إسرائيل، فإن أي تورُّط تركي في الجولان يُعَد خطاً أحمر، وسيطلب ترامب من إسرائيل السماح للشرع بتثبيت حُكمه والتوجه إلى اتفاق فصل مُحسّن.
أمّا في الساحة اللبنانية، فيرى نتنياهو أن الجيش اللبناني لم ينجح في تفكيك “حزب الله” في منطقة جنوب الليطاني، ولذلك، سيطلب من ترامب السماح لإسرائيل بمواصلة السيطرة على شريط داخل الأراضي اللبنانية مع خمس نقاط سيطرة، وإتاحة حرية عمل مستمرة للجيش الإسرائيلي في مواجهة انتهاكات “حزب الله”. يدركون في إسرائيل أن الجيش اللبناني يحتاج إلى وقت إضافي، تحت التهديد الإسرائيلي بخوض أيام قتال، وبالتنسيق مع إدارة ترامب، لوقف إعادة بناء “حزب الله”.
مفترق طرق استراتيجي
إن اللقاء بين الزعيمين هو محطة مهمة فيما يتعلق بقدرة إسرائيل على استثمار إنجازات الحرب.
وهناك حاجة إلى قيادة شجاعة تعرف كيف تتخذ قرارات سياسية لخلق واقع إقليمي أفضل للأمن القومي الإسرائيلي، بالتعاون مع الولايات المتحدة والمحور السنّي المعتدل، وتفضيل محور “الإخوان المسلمين”، بقيادة تركيا وقطر، ينطوي على مخاطر جسيمة ضد إسرائيل.
إلّا إن فشل إسرائيل في الإدارة الاستراتيجية للمعركة أكثر من عامين، وغياب المبادرة، والتهرب من اتخاذ قرارات بشأن بديل “حماس”، يخلق وضعاً تتلقى فيه إسرائيل إملاءات من الولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة، خلافاً لمصالحها.
توجد علامات استفهام كبيرة حول القدرة على تفكيك “حماس” ومنع استمرار حكمها، وهي أهداف خرجنا من أجلها إلى الحرب، وتشكل التزاماً أخلاقياً إزاء سكان غلاف غزة.
عن “N12”
