الرئيسية زوايا أقلام واراء لبنان بين التصعيد المحسوب والتصريحات الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية .. بقلم : د.فريد...

لبنان بين التصعيد المحسوب والتصريحات الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية .. بقلم : د.فريد اسماعيل

 

لعقود طويلة رسمت إسرائيل لنفسها صورة الكيان المتماسكة جبهته داخليا، والقوة القادرة على الردع خارجيا.  وقد عمدت منذ اتفاق أوسلو إلى إدارة الصراع عبر مناورات تفاوضية لتنتقل بعد الانتفاضة الثانية لادارته عبر القوة العسكرية.  لكن جوهر الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع الصراعات بدأ يتضح جليا خلال السنتين المنصرمتين بعد فتح جبهات متعددة امتدت من غزة إلى طهران مرورا بدول ومناطق ما كان يسمى بالمحور الإيراني في المنطقة.  فمع امتلاك إسرائيل قوة عسكرية كبيرة ومظلة دعم امريكي مطلق ، ورغم أنها تمكنت من تغيير قواعد اللعبة وفرض نفسها كقوة رادعة، إلا أنها لا تسعى عادة إلى الحسم الكامل في اي جبهة، وذلك لأسباب متعددة تتعلق بالسياسة والامن والواقع الاقليمي ومستوى الرضا الامريكي.  ففي غزة على صعيد المثال وفي حال الحسم الكامل، تبرز لدى الجانب الإسرائيلي عقدة البديل الذي يمكن أن يكون مقبولا دوليا ومحليا، وهذه إحدى الجوانب التي تدفعها إلى المماطلة في الانتقال للمرحلة الثانية من خطة ترامب والتي تحولت إلى قرار دولي. فالمخطط الإسرائيلي الحالي في معظم الجبهات المفتوحة يقوم على الاحتلال الجزئي والردع الكامل، لأن إسرائيل ترى أن إبقاء الجبهات مشتعلة بشكل محدود يمكنها من الإمساك بخيوط اللعبة وإبقاء الخصوم تحت الضغط وفي حالة إنهاك دائم عبر ضربات يومية متقطعة لا تجد من يواجهها أو يجرؤ على الرد عليها.  فالإبقاء على الصراع مفتوحا بدل الحسم يعطيها حالة من التوازن بين الردع والقيود الدولية والداخل الإسرائيلي. كذلك فإن سياسة “الجرعات العسكرية ” واليد الحرة بإستخدام القوة الجزئية يتيح لها الإستفادة الكاملة من الدعم الامريكي الذي يمكن أن يتأثر نسبيا فيما لو تجاوزت إسرائيل المصالح الأمريكية في بعض هذه المناطق كسوريا الجديدة.

 

ولذلك أيضا فإن اعلان نتنياهو المتكرر بأن الصواريخ البالستية الإيرانية تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل لا يهدف بالضرورة إلى الذهاب نحو الحرب، بقدر ما يسعى إلى إبقاء حالة التوتر والصراع قائمة على مختلف الجبهات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة.

ومع ان الوضع في لبنان لا يختلف من حيث استراتيجيا التصعيد الإسرائيلي عما هو عليه في باقي الجبهات، إلا أنه بدأت تظهر ملامح تغيرات خطيرة وحساسة بعد تصاعد انتقادات ايران وحلفاءها في لبنان للحكومة اللبنانية واتهامها بتقديم التنازلات المجانية لإسرائيل لا سيما بعد تكليف شخصية مدنية دبلوماسية برئاسة الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار “الميكانيزم ” واعتبار ذلك نوعا من التفاوض المباشر.  يترافق ذلك مع تصاعد الاتهامات الإسرائيلية للجيش اللبناني بالتباطؤ والفشل في نزع سلاح حزب الله، والاخطر من ذلك اتهام إسرائيل للجيش اللبناني بوجود لعناصر من حزب الله ضمن صفوفه، مما يشكل محاولة للزج بالجيش اللبناني في هذا الصراع. فالتقاطع في التصريحات الصادرة عن قادة من الصف الأول في إيران كما في إسرائيل بخصوص لبنان توحي بامكانية الخروج عن الإيقاع المألوف والتصعيد المحسوب رغم محاولات الرئيس اللبناني طمأنة اللبنانيين باعتقاده أن شبح الحرب بات بعيدا عن لبنان وأن القرار بشأن سحب السلاح اتخذ والتطبيق وفقا للظروف. فالتصريحات الإيرانية التي تخرج بين فينة وأخرى تثير جدلا واسعا وتوترا جديدا، إذ أنه بعد تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في فترة سابقة بأن إيران هي الركيزة الأساسية للشعب اللبناني، توالت التصريحات من علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى أكد فيها رفض إيران لنزع سلاح حزب الله معتبرا أن الحزب جزء من المقاومة التي دعمتها إيران. تبع ذلك تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اعلن فيه رفضه لخطة الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة معتبرا أن هذه الخطط ستفشل. كل هذه التصريحات أثارت ردودا غاضبة من بيروت التي اعتبرتها مساسا بالسيادة الوطنية.  أما الرأي العام اللبناني فإنه يرى أن هذه التصريحات تعكس محاولة لتكريس صورة أن حزب الله جزء من البنية الرسمية، وهو ما ترفضه غالبية شرائح الشعب اللبناني باعتباره يتناقض مع مبدأ الدولة الواحدة. وما اثار الجدل والقلق مؤخرا هو تصريح نشر على موقع مرتبط بالمرشد الإيراني يعود لحسين محمدي سيرات وهو أستاذ في جامعة إمام صادق يقول فيه أن حوالي ثلاثين بالمائة من عناصر الجيش اللبناني هم أعضاء في حزب الله، وأنهم يرتدون الزي الرسمي صباحا ثم ينخرطون في صفوف الباسيج بعد الظهر.  وقد لاقت هذه المعلومة استنكارا واسعا، ما دفع الجيش اللبناني إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع مؤكدًا أن جميع عناصره ملتزمون بالعقيدة العسكرية وولاؤهم فقط للمؤسسة الوطنية والدولة، وأن الهدف من هذه المزاعم هو الإساءة لسمعة الجيش اللبناني.  كذلك رفضت الحكومة اللبنانية أي تصريحات أو تلميحات تمس استقلالية الجيش أو تشير إلى اختراقه من قبل حزب الله. كما رأت القوى السياسية اللبنانية أن هذه الادعاءات تهدف إلى اضعاف صورة الجيش ووضعه في قلب جدل سياسي وأمني معقد، وإظهار لبنان وكأنه تحت نفوذ مباشر لإيران، ما يدفع المجتمع الدولي الى فقدان ثقته بالدولة ومؤسساتها.

من الواضح ان التصريحات الإيرانية المتتالية بشأن لبنان ليست مجرد مواقف عابرة، بل تعكس رؤية استراتيجية لإيران لا زالت تعتبر لبنان جزءًا من نفوذها الاقليمي رغم كل المتغيرات التي قلبت التوازنات واطاحت بجزء كبير من هذا النفوذ وقلصته إلى حد لم تتوقعه، وهي تحاول أن تبقي لبنان في قلب المواجهة، ما قد يحمله أعباء إضافية هو غير قادر على تحمل نتائجها.

أما بالنسبة لإسرائيل، فقد تحدثت تقارير صحافية عن مسار تدشين اتهامات تراكمية ضد الجيش اللبناني تستند في بعضها على التصريحات الايرانية خاصة تلك التي تزعم اندماج عناصر من حزب الله في المؤسسة العسكرية، إذ أن إسرائيل يمكن أن تستخدم تلك المزاعم كأداة سردية لتبرير التصعيد وخلق مساحة أوسع للمناورة، ما يزيد من قابلية تحويل أي احتكاك ميداني إلى ذريعة لاستهداف مواقع عسكرية لبنانية أو حتى بنى تحتية مدنية.  فالاتهامات تشكل غطاء يسهل تبرير إصابة أهداف تابعة للجيش حين اتساع رقعة القتال، لكنها من غير المرجح أن تتحول إلى إعلان صريح بسياسة استهداف ممنهج نظرا للكلفة القانونية والدبلوماسية في ظل الدعم الدولي الصريح للدور الشرعي للجيش اللبناني.

تصريحات إيرانية مستفزة وتوظيف إسرائيلي لها، والضحية لبنان القلق مع اقتراب نهاية المهلة الممنوحة له لحصر السلاح بيد الدولة مع بداية العام الجديد، والمترقب لمخرجات لقاء ترامب-نتنياهو في ٢٩-١٢-٢٠٢٥ . فهل يهرب نتنياهو من استحقاق المرحلة الثانية في غزة بتصعيد في لبنان، ام يمنح لبنان مهلة أخرى تحت النار.

Exit mobile version